شهر الله المحرّم، وتنبيهات للمسلمين
 

بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيم 
الحمدُ لله ربّ العالمين، وصلّى الله وسلّم على عبده ورسوله خاتم النّبيين، وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أمّا بعد:
فنظرًا إلى أنّه لم يُرَ هلالُ هذا الشّهر -وهو شهر الله المحرم لعام 1437ه - وقد كانَ شهودُ شهر "ذي الحجة" يوم الثلاثاء: فالواجبُ إكمال شهر "ذي الحجة" ثلاثين يومًا، وعليه فيكونُ يوم غدٍ الخميس هو غُرّة المحرم، أيّ: الأوّل مِن هذا الشّهر، وعلى ذلك يكون "عاشوراء" هو يوم السّبت، ويوم الجمعة هو "التّاسع".
وقد دلَّت السُّنة الصّحيحة عن النّبي -صلّى الله عليه وسلّم- على فضل صيام "عاشوراء"، فقال -صلّى الله عليه وسلّم- حينَ سُئِلَ عن صيام يوم "عاشوراء": (أحتسبُ على اللهِ أن يُكفِّرَ السّنّة التي قبله) رواه مسلم مِن حديث أبي قتادة.
كما ثبتَ في صحيح مسلم -أيضًا- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ النّبي -صلّى الله عليه وسلّم- قال: (أفضلُ الصّيام بعد رمضان شهرُ الله المحرّم).
فينبغي للمسلمين أن يُظهِروا تعظيمَ هذا الشّهر بصيامه كلِّه، أو ما تيسّر منه، أو صيام التّاسع والعاشر. ومِن تعظيمه -هذا الشّهر-: الاجتهاد في كفِّ النّفس عن معاصي الله؛ لأنّها مِن ظلم النّفس الذي نهى الله عنه في كلّ الشّهور، خصوصًا الأشهر الحرم، كما قال تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ}(التوبة: 36).

وقد اعتبرَ الصّحابةُ -رضوان الله عليهم- هذا الشّهر هو أوّل السَّنة في تاريخ الهجرة النّبوية، على صاحبها أفضلُ الصّلاة والسّلام.
وهذا التّاريخ هو الذي مضى عليه المسلمون في جميع أعصارهم وبلدانهم، لا يعرفون غيره في مراسلاتهم وفي تأريخ الحوادث إلى عصر الاحتلال النّصراني، الذي وقعَ على كثير مِن بلدان المسلمين، فأشاعوا بينهم تاريخهم الميلادي؛ أي: ميلاد المسيح -عليه السّلام-، فهذا التّاريخ هو التّاريخ النّصراني، ولذا لا يَعرف أكثرُ المسلمين في سائر البلاد التي وقع عليها هذا الاحتلال إلّا هذا التّاريخ.
 
وقد سلَّمَ اللهُ بلادَ الحرمين -المملكة العربيّة السّعوديّة- مِن هذا البلاء، لذا فالتاريخ الهجري هو التاريخ المعتمد في قرارات بلادنا الرسميّة، وفي معاملاتها الإداريّة، وفي مراسلاتها، وفي سائر شؤونها، إلّا ما دخل عليها اضطرارًا نتيجة العلاقات الدوليّة، أو عن تساهل مِن بعض الجهات الحكوميّة، ولذا كان التّاريخ الهجري هو الأوّل والمقدَّم في تقويم المملكة، تقويم أم القرى.
ولا ريب أنّ اعتبار التاريخ الميلادي -أي: التّاريخ النّصراني- هو التاريخ الرسمي: مِن أعظم أنواع التَّبعية، أي: التّشبه بالنّصارى، فيجب التّنبه لذلك.
حفظ الله حكومتنا وبلادنا وسائر بلاد المسلمين مِن التّشبّه بأعداء الله بكلّ أشكاله وصوره، وثبَّت الله حكومتنا على ما تميّزت به مِن وجوه الخير في كلّ الشّؤون.

هذا؛ وممّا يحسنُ التّنبيه عليه: أنّه يحرمُ الاحتفال برأس السّنة، وتُكره التّهنئة بدخول العام، كما لا تنبغي الخطبة عن الهجرة النّبويّة في أول شهر المحرم؛ فالحديث عن الهجرة ليس له وقت مخصوص، فالهجرة مِن موضوعات السّيرة التي ينبغي التّحدث فيها، والتّنبيه على دلالاتها وعبرها دائمًا في الخطب والدّروس والمحاضرات.
نفعنا الله بهداه، وهدْي نبيّه -صلّى الله عليه وسلّم-، ونسأله تعالى أن يصلحَ أحوالنا، وأحوال جميع المسلمين، ويثبّتنا جميعًا على دينه، إنّه على كلّ شيء قدير. وصلّى الله وسلّم على محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين. حرر في: 1436/12/30 هـ

أملاه:
عبدالرّحمن بن ناصر البرّاك