إلى رجال الحسبة

الحمدُ لله، والصّلاة والسّلام على نبيّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أمّا بعد :
فإنّ مِن أعظم الواجبات في الإسلام: الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر؛ فإنّ شأنه عظيم، حتى عدّه بعضُ أهل العلم ركنًا سادسًا مِن أركان الإسلام، والأصلُ أنّه واجبٌ كفائي، إذا قام به مَن يكفي: سقطَ الإثمُ عن الباقين، وهو -كغيره مِن الواجبات- منوطٌ بالاستطاعة على حدّ قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16] وقوله -عليه الصَّلاة والسَّلام-: (مَن رأى منكم مُنكرًا فليغيّرهُ بيدهِ، فإنْ لم يستطعْ فبلسانِهِ، فإنْ لمْ يستطعْ فبقلبِهِ، وذلك أضعفُ الإيمان).
ومِن فضل الله على هذه البلاد -المملكة العربيّة السّعوديّة- أن وجدَ فيها مِن عهدٍ بعيد هيئة رسميّة للقيام بهذا الواجب؛ اسمها "هيئة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر"، وقد دفعَ الله بها عن هذه البلاد شرورًا كثيرة، مما يفسد أحوال النّاس الاجتماعيّة والأخلاقيّة، فغاظَ ذلك المنافقين والفاسقين، لذلك لم يزالوا مِن خلال وسائل الإعلام يطعنون في هذا الجهاز، وفي العاملين فيه؛ بالافتراءات، وتتبّع أخطائهم، وتضخيمها، لِمَا في قلوبهم مِن غلّ وحقدٍ؛ لأنّ قيام أهل الحسبة -الآمرين بالمعروف والنّاهين عن المنكر- بواجبهم: يحولُ بين أهل الفساد ومآربهم، ولذا لَمّا صدرَ القرار الأخير بالتّنظيم الجديد لعمل الهيئات، وفيه الحدّ مِن صلاحيّة رجال الهيئة، وذلك بقصر عملهم على مجرّد التّبليغ عن القضايا؛ ففرح بذلك القرار المستغربون والمُتَّبعون للشّهوات.
وزاد الطّين بلّة -كما يقال- أنّ أعضاء الهيئة -وفّقهم الله- وقفوا مبهوتين، فانكفؤوا على أنفسهم، وبقوا في مراكزهم، فتركوا ما يقدرون عليه، أو قصَّروا فيه؛ كالتّنبيه للصّلاة، وإغلاق المحلات، وقت الصّلاة، والنّزول للأسواق للإنكار على السّفهاء مِن الرّجال والنّساء باللسان، دون الدخول معهم في مجادلات تجرّ إلى مشكلات.
لذلك أقول لإخواني أعضاء الهيئة: إنّ هذا القرار لا يسقط عنهم مِن الواجب إلّا ما مُنعوا منه فقط؛ فعليهم أن يقوموا بما لم يُمنعوا منه مِن طُرق الإنكار، حتى يأذن الله بتوفيق ولاة الأمر إلى نقض هذا القرار.
ومِن المعلوم أنّ سنّة الله في عباده أن يبتلي بعضهم ببعض: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:2-3].
ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:4].
فقوموا أيّها الأخوة -أعضاء الهيئة- بِما تستطيعون، ولا تُلامون على ما لا تستطيعون، حفظكم الله، وسدَّدكم وأعانكم، وجعلكم غيثًا للمؤمنين، وغيظًا لأعداء الدّين، والحمد لله ربّ العالمين . 
 
أملاه :
عبدالرّحمن بن ناصر البرّاك
14 شعبان 1437هـ