السؤال: التَّشبه بالكفار فيما اختصوا به محرَّم، إلا أن هناك أمورًا أصلها مِن الكفار، ثم شاعَ العمل بها، فلم تصبح مختصة بهم، فهل يبقى الحكم على التَّحريم، أو يزول التَّحريم؟

 

الجواب: الحمدُ لله، وصلَّى الله وسلَّم على محمد، أما بعد:

فإنَّ مِن القواعد عند الأصوليين: أنَّ "الحكم يدورُ مع علّته وجودًا وعدمًا"[1]، إذن؛ فعلَّة تحريم التَّشبه بالكفار كون الأمر المتشبَّه فيه بهم مِن خصائصهم، فإذا تعاطاه المسلم وقعت المشابهة؛ فإن كانَ مقصودًا للمسلم كان تشبُّها، وإن لم يكن قاصدًا للمشابهة فهي مشابهة لا تشبُّه، وحينئذٍ فالتَّشبُّه بالكفار يكون بالفعل والقصد، وقد يكون بالفعل دون القصد[2]، ومعلومٌ أنَّ ما كان بالقصد فهو أقبح، والمفسدة المحذورة مِن التَّشبُّه بالكفار مترتبة على مشابهة الكفار مطلقًا، بقصد كان أو بغير قصد، وهي ما تورثه المشابهة مِن قدْر من الموالاة، كما قيل: شبيه الشيء منجذبٌ إليه[3]، فإذا شاعَ بين المسلمين بعضُ ما هو مِن خصائص الكفار حتى صار لا يفرق في هذا الأمر بين المسلم والكافر لم يكن حينئذٍ تشبُّهٌ أصلًا، وانتفت المفسدة، وهذا في الأمور العادية ظاهرٌ كاللباس، وأمَّا في الأمور العباديَّة كبناء المساجد على القبور؛ فظهوره وانتشاره بين المسلمين لا يرفع المفسدة؛ لورود الشَّريعة بالنهي عنه بخصوصه، فيجتمع فيه معنى البدعة، فبناءُ المساجد على القبور والاحتفال بمولد الرَّسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- اجتمع فيهما الأمران: التَّشبُّه والبدعة، ففي الأمر المعيَّن يَغلب تارة جانب البدعة كالاحتفال بمولد الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم-، وتارة يَغلب جانب التَّشبه كالاحتفال بمولد المسيح عليه السلام.

والواجبُ على المسلم التميُّز عن الكفار في العادات والعبادات قطعًا لذريعة الموالاة؛ لأنَّ في التشبُّه بالكفار أو المشابهة لهم اتِّباعًا لأهوائهم، وهذا هو الأصل الذي بنى عليه شيخُ الإسلام ابن تيمية كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم»؛ فإنَّه بناه على قوله تعالى: ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الجاثية:18][4]، والله أعلم.

 

أملاه:

عبدالرَّحمن بن ناصر البرَّاك

في 15 ذي الحجة 1442هـ

 

[1] ينظر: البحر المحيط في أصول الفقه -ت عبد القادر العاني- (5/243).

[2]  ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم (1/552-553).

[3]   هذا عجز بيت للمتنبي وصدره:

 ... وأشبهنا بدنيانا الطغامُ.

وهو عند المتنبي بلفظ (وشبه)ـ ونسبه الزبيدي لبعض المولدين وصدره.  فقلت: تعجبوا من صنع ربي*** ... ينظر: ديوانه بشرح العكبري (4/71)، وتاج العروس (24/239).

[4] ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم (1/97) وما بعدها.