حكم صيام تسع ذي الحجة والأخذ مِن شعر وأظفار مُريد الأضحية
 
السؤال: تدور رسائل عبر الجوالات في هذه العشر وفي كلِّ سنة في العشر، بأنَّ صيام العشر لم يثبت به حديث، وأنَّه مخالف للهدي النَّبوي الصَّحيح، فما توجيهكم تجاه هذا القول؟ جزاكم الله خيرا.

الجواب: الحمدُ لله، والصَّلاة والسَّلام على نبيّنا محمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أمَّا بعد: فقد ثبت عن النَّبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنَّه قال: (ما مِنْ أيَّامٍ العملُ الصَّالحُ فيها أحبُّ إلى اللهِ من هذه الأيام) يعني: أيامَ العشر، قالوا: يا رسُولَ الله، ولا الجهادُ في سبيلِ الله؟ قال: (ولا الجهادُ في سبيلِ الله، إلا رجلٌ خَرَجَ بنفسِه ومالِه، فلم يَرجعْ من ذلك بشيءٍ) أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه؛ مِن حديث ابن عباس رضي الله عنهما [1]، وأصله في البخاري [2]، وروى الإمام أحمد عن ابن عمر أنَّ النَّبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: (ما مِن أيامٍ أعظمُ عندَ اللهِ، ولا أحبُّ إليه مِن العملِ فيهنَّ مِن هذه الأيامِ العشرِ، فأكثروا فيهنَّ مِن التَّهليلِ والتَّكبيرِ والتَّحميدِ) [3].
والعمل الصَّالح عام يشملُ الصّيام والصَّدقة والذّكر وقراءة القرآن، وهذا ترغيب مِن النَّبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- لأمَّته في تعظيم هذه العشر، للاستكثار مِن العمل الصَّالح فيها، وهي أيام مباركة عظيمة أقسم الله بها في قوله تعالى: وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر:1-2]، وهي الأيام المعلومات التي قال فيها الله فيها: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ [الحج:28] على ما جاء عن ابن عباس في صحيح البخاري
[4].
 ولا يجوز إخراج الصّيام عن عموم العمل الصَّالح إلا بدليل، ولم يأت عن النَّبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- النَّهي عن صيام العشر، ولم يدَّع ذلك أحد مِن أهل العلم، لكن اختلفت الرواية في فعله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فجاء عنه في حديث حفصة -رضي الله عنها- أنَّه -صلَّى الله عليه وسلَّم- كان يصوم تسع ذي الحجة. رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي
[5]، فإن صحَّ أنَّه -صلَّى الله عليه وسلَّم- كان يصومها كان هذا مؤكِّدا لما دلَّ عليه حديث ابن عباس وابن عمر مِن التَّرغيب في العمل الصَّالح، ويكون قد دلَّ على صيامها القول والفعل منه صلَّى الله عليه وسلّم.
وأما ما جاء في صحيح مسلم عن عائشة -رضي الله عنها- أنَّها قالت: (ما رأيتُ رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- صائمًا في العشر قط)
[6]، فيعارضه حديث حفصة المتقدّم أنَّه كان يصومها عليه الصَّلاة والسَّلام، والقاعدة عند أهل العلم أن المثبِت مقدَّم على النَّافي، ورواية الإثبات توافق ترغيب النَّبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- أمَّته في كلِّ عمل صالح في العشر، وقد يجاب عن تركه -صلَّى الله عليه وسلَّم- للصّيام بأنَّه قد يترك بعض الأعمال لأمر يتعلق به أو بأمته عليه الصَّلاة والسَّلام، كما ترك الاستمرار في صلاته بالنَّاس في قيام رمضان خشية أن يفرض عليهم [7]، ومِن القواعد المقررة في الأصول: أنَّه إذا تعارض القول والفعل منه صلَّى الله عليه وسلَّم قُدِّم القول [8] ؛ لأنَّه أقوى دلالة، وهو خطاب للأمّة كلِّها، وبناءً على ذلك ؛ فلا يجوز الالتفات إلى الرسائل المثبِّطة عن فعل الخير جهلًا أو تعمدًا. 
ومما نوصي به: عدم قبول الفتاوى التي يتناقلها النَّاس في وسائل التواصل إلا بعد التَّأكد مِن صدورها عن أهل العلم المعتبرين الموثوق بهم، ومِن ذلك الفتوى التي يروجها بعض الناس في هذه الأيام (العشر)، ومضمونها أنَّه لا يحرُم على مَن أراد أن يضحي أن يأخذ مِن شعره وأظفاره شيئًا إذا دخلت العشر، فهذه الفتوى مخالفة لِمَا ثبت في صحيح مسلمٍ عن أم سلمة أنَّ النَّبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال:
(إذا رأيتم هلالَ ذي الحجة، وأرادَ أحدكم أن يُضحّي، فليمسكْ عن شعرِه وأظفاره) [9]، وفي رواية لمسلم أيضًا: (فلا يمسَّ مِن شعرِه وبشرِه شيئًا) [10]، وهذه الفتوى المذكورة مقتبسة مِن كلام للشيخ عبد الله بن زيد المحمود رحمه الله، والشَّيخ عبد الله المحمود -عفا الله عنه- له اجتهادات أخطأ فيها، ولذا ردّ عليه غيرُ واحد مِن أهل العلم، منهم العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي المملكة العربية السعودية في عصره [11]، فلا يلتفت لكلام الشيخ المحمود، فمَن روَّج تلك الفتوى المذكورة فقد أساء، نسأل الله أن يهدينا صراطه المستقيم، وأن يعيذنا مِن الشَّيطان الرجيم. والله أعلم، وصلَّى الله وسلَّم على نبيّنا محمَّد.

أملاه:
عبد الرَّحمن بن ناصر البرَّاك
في الثاني من ذي الحجة لعام 1439هـ
 
[1]-  أخرجه أحمد (1968)، وأبو داود (2438)، والترمذي (757)، وابن ماجه (1727) من طريق الأعمش، عن مسلم البطين – وقرن به أبو داود أبا صالح ومجاهد- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به. وإسناده على شرط الشيخين، وصححه ابن خزيمة (2865)، وابن حبان (324).
[2]-  أخرجه البخاري (969) من طريق شعبة، عن الأعمش، به.
[3]-  أخرجه أحمد في مسنده (5446)، وعبد بن حميد في "المنتخب من مسنده" (807)، وابن أبي شيبة في مصنفه (14110)، والطحاوي في المشكل (2971) من طريق يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عمر، به. وقد اختلف فيه على يزيد بن زياد، كما بين الدارقطني في علله (12 / 375)، ويزيد هذا، هو الهاشمي مولاهم الكوفي، ضعيف، كبر فتغير وصار يتلقن، وكان شيعيًا، كما قال الحافظ في التقريب (7717).
[4]- معلقًا، كتاب العيدين - باب فضل العمل في أيام التشريق، قبل حديث (969)، ووصله عبد بن حميد في تفسيره، وساق إسناده الحافظ في التغليق (2/377).
[5]-  أخرجه أحمد (22334)، وأبو داود (2437)، والنسائي (2372) من طريق هُنيدة بن خالد، عن امرأته، عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، به. وقد اضطرب فيه هنيدة ورواه على وجوه مختلفة، لذلك قال الزيلعي: وهو ضعيف، قال المنذري في "مختصره": اختلف فيه على هنيدة، فروي كما ذكرنا، وروي عنه عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وروي عنه عن أمه عن أم سلمة. ينظر: نصب الراية (2/157).
[6]-  أخرجه مسلم (1176) من طريق الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود، عن عائشة، به. وخالفه منصور بن المعتمر، فرواه عن إبراهيم، مرسلًا، أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (8127)، والبغوي في الجعديات (1743) من طريق الثوري، به. واختلف فيه على منصور لكن رجح الدارقطني رواية الثوري عنه. ورجح الدارقطني وأبو حاتم وأبو زرعة – فيما يظهر من صنيعهم- رواية منصور المرسلة، وخالفهم الترمذي فرجح رواية الأعمش، فقال عقب حديث (756): ورواية الأعمش أصح وأوصل إسنادًا. قال: وسمعت محمد بن أبان يقول: سمعت وكيعًا يقول: الأعمش أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور". ينظر: علل ابن أبي حاتم (3/ 169)، وعلل الدارقطني (15/ 74)، والإلزامات والتتبع (ص353 رقم 194).
[7]-  أخرجه البخاري (924)، ومسلم (761) من حديث أم المؤمنين عائشة.
[8]-  ينظر: شرح مختصر الروضة (3/ 705)، وشرح الكوكب المنير (4/ 656)، والمدخل إلى مذهب الإمام أحمد لابن بدران (ص 399).
[9]-  أخرجه مسلم (1977) من طريق شعبة، عن مالك بن أنس، عن عمرو بن مسلم، عن سعيد بن المسيب، عن أم سلمة، به. ورواه الترمذي (1523) بهذا الإسناد وقال: حسن صحيح، واستدركه الحاكم (7518) فوهم، وقد روي عن أم سلمة موقوفًا أخرجه الحاكم (7519)، وبه أعله الدارقطني. ينظر: التلخيص الحبير (4/ 342).
[10]- أخرجه مسلم (1977) (39).
[11]-  ينظر: فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم (6/67).