بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
التَّعليق على كتاب (فَتحُ الرَّحيمِ الملكِ العَلاَّمِ في عِلمِ العقَائِدِ وَالتَّوحيْدِ وَالأخْلاَقِ وَالأحكامِ المُستنَبَطةِ مِن القرآنِ)
علم الأحكام
الدَّرس: الثَّالث

***    ***    ***    ***

 

- القارئ : الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ، اللَّهمَّ اغفرْ لشيخِنا وللحاضرينَ والمستمعينَ. قالَ الشَّيخُ عبدُ الرَّحمنِ بنُ ناصرٍ السَّعديُّ -رحمَهُ اللهُ تعالى- في كتابِهِ "فَتحُ الرَّحيمِ الملكِ العَلَّامِ في عِلمِ العقَائِدِ وَالتَّوحيْدِ وَالأخْلاَقِ وَالأحكامِ المُستنَبَطةِ مِن القرآنِ" قالَ رحمَهُ اللهُ:

الصَّلاةُ:

وقد ذكرَ اللهُ السَّجداتِ في القرآنِ وفي بعضِها الأمرُ بهِ، وذمَّ مَن لم يسجدْ عندَ تلاوةِ الآياتِ، وإخبارُهُ بسجودِ المخلوقاتِ فهذا يدلُّ على مشروعيَّةِ سجودِ التِّلاوةِ، استحبابًا عندَ جمهورِ العلماءِ، وأوجبَهُ بعضُهم، وسجدَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في ص وقالَ: (سجدَها داودُ توبةً فنحنُ نسجدُها شكرًا للهِ) يدلُّ على مشروعيَّةِ سجودِ الشُّكرِ.

وقالَ تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ [الطور:48-49]، وفي الأخرى: وَأَدْبَارَ السُّجُودِ [ق:40] يدلُّ على صلاةِ اللَّيلِ وخصوصًا آخرَهُ، والذِّكرُ عقبَ الصَّلواتِ الخمسِ.

وقالَ تعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ [النساء:101] فيها مشروعيَّةُ قصرِ الصَّلاةِ الرُّباعيَّةِ إلى ركعتَينِ، في كلِّ سفرٍ طويلٍ أو قصيرٍ لإطلاقِ الآيةِ، فإذا اجتمعَ الخوفُ والسَّفرُ قصرَ عددَ الصَّلاةِ الرُّباعيَّةِ، وقصرَتْ هيئاتُها بحسبِ ما وردَتْ بهِ صلاةُ الخوفِ عن النَّبيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كما دلَّ عليها قولُهُ تعالى: وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ [النساء:102] إلى آخرِها، فإنْ كانَ سفرٌ بلا خوفٍ قصرَ العددَ فقط، وهذا مِن فائدةِ التَّقييدِ بالخوفِ وذلكَ القصرُ المطلَقُ.

وقولُهُ تعالى: فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ [النساء:103] فيها فائدتانِ: إحداهما: مشروعيَّةُ الذِّكرِ عقبَ الصَّلواتِ المكتوباتِ عمومًا، كما تكاثرَتْ بذلكَ الأحاديثُ عنهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

الثَّانيةُ: فيهِ مشروعيَّةُ الذِّكرِ على وجهِ التَّأكيدِ بعدَ صلاةِ الخوفِ لحصولِ بعضِ الخللِ فيها لأجلِ العذرِ، فكأنَّ في ذكرِ اللهِ جبرًا لما فاتَ العبدَ مِن ذكرِ ربِّهِ، لأنَّ الصَّلاةَ إنَّما شُرِعَتْ لإقامةِ ذكرِ اللهِ. قالَ تعالى: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي [طه:14] وكذلكَ جميعُ العباداتِ شُرِعَتْ لهذا الغرضِ الجليلِ، فينبغي للعبدِ إذا فعلَ العبادةَ على وجهٍ فيهِ نقصٌ أنْ يعوِّضَ عن ذلكَ ويجبرَهُ بكثرةِ ذكرِهِ لربِّهِ.

وفى قولِهِ تعالى: وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً [يونس:87] أي: صلُّوا فيها خوفًا مِن فرعونَ وملئِهِ دليلٌ على جوازِ الصَّلاةِ في البيوتِ لعذرٍ مِن الأعذارِ، إمَّا خوفٌ أو مرضٌ أو غيرُهما، لأنَّ شرعَ مَن قبلَنا شَرْعٌ لنا ما لم يردْ شرعُنا بنسخِهِ، بل في شرعِنا مِن التَّسهيلاتِ ما ليسَ في غيرِهِ.

وقولُهُ تعالى: وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ [البقرة:115] استدلَّ بها على جوازِ الصَّلاةِ على الرَّاحلةِ في السَّفرِ قِبَلَ أيِّ جهةٍ توجَّهَ المصلِّي، وعلى صحَّةِ الصَّلاةِ إذا اجتهدَ إلى القِبلةِ فأخطأَها، وعلى صحَّةِ صلاةِ العاجزِ عن الاستقبالِ للضَّرورةِ، وعلى نفلِ الماشي كالرَّاكبِ في السَّفرِ.

وقولُهُ تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [النور:36] يعمُّ أحكامَ المساجدِ كلِّها، فإنَّهُ أمرَ فيها بشيئينِ: برفعِها الَّذي هوَ تعظيمُها وصيانتُها عن الأوساخِ، والأقذارِ والأنجاسِ الحسِّيَّةِ والمعنويَّةِ، وتُعمَّرُ العمارةَ اللَّائقةَ بها، ويُذكَرُ فيها اسمُهُ بأنواعِ التَّعبُّدِ مِن صلاةٍ وقراءةٍ، وتعلُّمِ علمٍ نافعٍ، وتعليمٍ، وذكرٍ للهِ تعالى فكلُّ ما قالَهُ أهلُ العلمِ مِن أحكامِ المساجدِ وفصَّلُوهُ فهوَ داخلٌ في هذينِ الأمرَينِ، فتباركَ مَن جعلَ كلامَهُ فيهِ الهدى والشِّفاءُ والنُّورُ.

وقولُهُ تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي [الأنعام:162]، {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر:2]، قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى:14-15] استدلَّ بعمومِ ذلكَ على صلاةِ العيدَينِ عيدِ الأضحى وعيدِ الفطرِ وعلى صدقةِ الفطرِ، ولا ريبَ بدخولِ المذكوراتِ في هذا العمومِ.

وقولُهُ تعالى: وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ [التوبة:84] ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ [عبس:21] فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي [المائدة:31] دليلٌ على صلاةِ الجنازةِ على المؤمنينَ، والقيامِ على قبورِهم للدُّعاءِ لهم، وعلى تكفينِ الميِّتِ كلِّهِ، لأنَّهُ جعلَ بدنَهُ كلَّه سوأةً، وعلى حملِهِ ودفنِهِ على ما وردَتْ بهِ السُّنَّةُ.

ثمَّ قالَ رحمَهُ اللهُ تعالى: أحكامُ الزَّكاةِ

- الشيخ : جزاكَ اللهُ خيرًا، ما شاءَ الله .