بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ

وقفات مع سورة الزمر "ليلة 22 رمضان 1438 هـ"
 
الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على عبده ورسوله، وعلى آله وصحبه، لا إله إلَّا الله، السورة الأولى التي قُرِئَتْ في صلاتنا سورة "الزمر"، سُمِّيَتْ بذلك لقوله تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا}[الزمر:71]؛ يعني: جماعات، الكفَّار يُساقون إلى جهنم جماعات، كلٌّ مع شكله {وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ}[التكوير:7]، كلٌّ يُقرَنُ بجنسه وما كان، ومَن هو على طريقته ومنهجه.
وكذلك المؤمنون؛ كذلك يدخلون الجنَّة ويُساقون إليها، لكن فرقٌ بين سوقٍ وسوقٍ، سوقُ المجرمين يكون بالتهديد والوعيد والتقبيح والذَّمّ، أمَّا سوق المكرمين فهو بالقول الجميل ومع التكريم والاحتفاء، كما قال الله في آية أخرى: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا}[مريم:85]، قال المفسِّرون: يحشرون على نجائب راكبين {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا*وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ} -أعوذ بالله- {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا}[مريم:86]، أي: "عطاشًا"، لا إله إلَّا الله.
هذا منهج القرآن؛ يعرضُ حال أولياء الله وعباده الصّالحين عباده المتّقين، يعرض، يذكرهم بذكر أعمالهم وأحوالهم ومآلهم، وما يصيرون إليه، ويذكر أعداءه المجرمين المشركين الكافرين، يذكر أعمالهم القبيحة، وسيرتهم، ويذكر كذلك أحوالهم في الدور الثلاثة: في الدار الدنيا أعمالهم، وفي دار البرزخ وما يحصل لهم -والعياذ بالله- من النكال والعذاب المعجَّل، وما يصيرون إليه يوم القيامة.

هذه السّورة -سورة الزمر- يقول المفسِّرون: إنّ هذه السورة تميَّزت بذكر أصل الدّين، مِن أوَّلها إلى آخرها وهي في أصل الدّين، وما أصل الدين؟ أصلُ دين الإسلام الذي بعث الله به رسله مِن أوَّلهم إلى آخرهم أصلُه التوحيد، أصله التوحيد؛ عبادة الله وحده لا شريك له، أصله إخلاص الدين لله، الإخلاص، إخلاص الدين لله.
فنقرأ في أول السورة: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ}[الزمر:1]، وهذا أيضاً له شأن افتتحت بالتنويه بتنزيل القرآن، وهذا متكرر في هذه السورة وما بعدها من السور المفتتحة بـ (حم)، {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ*إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ}[الزمر:1-2]؛ خطاب للرسول ولكلِّ مكلَّف، {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} اعبد اللهَ بالإخلاص، الله أكبر، الإخلاص هو روح العمل، الإخلاص أمره عظيم، لابدَّ أن نجتهد، لابدَّ أن يجتهد المسلم في أن تكون أعماله خالصةً لوجه الله، يبتغي بعمله وجه الله، أيُّ عملٍ، إن صلَّى، أو صام، أو تصدَّق، أو أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر، كلُّ ذلك يجب أن يكون لله، أو هاجر أو جاهد، أو قال أو فعل أيَّ خيرٍ: فالواجب الإخلاص.

{فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ*أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}[الزمر:2-3].
هذا هو أعظم الواجبات وأوَّل الواجبات، وضدُّ ذلك: الشرك بعبادة غير الله؛ ولهذا لمَّا ذكر اللهُ التوحيد والإخلاصَ ذكر الضدَّ، {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}[الزمر:3]. فهؤلاء عدلوا عن طريق الإخلاص والتوحيد إلى الشرك فاتَّخذوا من دون الله أولياء وزعموا قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}[الزمر:3]، يحكم بين المؤمنين والكفَّار يوم القيامة، فيتبيَّن أهل الحق مِن أهل الباطل يتبيَّن الصادقون من الكاذبين، يتبيَّن ويتميَّز، يتميَّز يوم القيامة يتميَّز هؤلاء من هؤلاء، {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ}[الأنفال:37]، الخبيث، فأهل الإيمان والتوحيد والإخلاص هم أهل، هم الطيبون، والمشركون المفترون الكاذبون هؤلاء هم الأخباث، وهم أهل كلِّ عملٍ خبيثٍ سيِّئٍ.
وفي أثناء السورة نفس هذا المعنى، في أثناء السورة يذكر الله هذا المعنى، أعني: التوحيد والإخلاص، وبين ذلك آيات كلُّ آيةٍ لها مدلول ولها معنى ولها موضوع، لكن المقصود أنَّ مدار هذه السورة من أوَّلها إلى آخرها على التّوحيد، على تقرير التّوحيد والدّين الخالص؛ {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ*وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ*قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ*قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي*فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ}[الزمر:11-15]، (فاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ) وهذا معناه: التّوبيخ والتّقريع لهم، أنا لا أعبد إلَّا الله، {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي*فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ} اعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ، {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}[آل عمران:64].

المؤمن يؤمن دينه ولا يبالي بالمكذِّبين والمشركين والمخالفين، اشهدوا {فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} مسلمون لله موحدون، مسلمون لله وحده، وهكذا جاء في آخر السّورة؛ ذكر التوحيد وضدُّه الشرك، {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ}[الزمر:64].
قال الله: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}[الزمر:65].
الشركُ الأكبر هو عبادة غير الله مع الله: يحبطُ جميع الأعمال، لو كان الإنسان أو إنسان مِن أعبد الناس وأكثرهم عبادة إذا أشرك بالله مع الله غيره، وعبدَ مع الله غيره بنوع من أنواع العبادة: حبطَ جميع عمله؛ {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}، وقال في الأنبياء والصالحين: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[الأنعام:88].
فالتوحيد هو شرطٌ في جميع الأعمال، أيُّ عملٍ لا يصحُّ إلَّا بالإخلاص والتّوحيد، وأصل الدّين يقوم على الشهادتين، كلُّ أعمال الإسلام، كلُّ الأعمال الصّالحة لا تصحُّ إلَّا بشرطين، وهذان الشرطان راجعان إلى الشّهادتين؛ شهادة ألَّا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّداً رسولُ اللهِ، فشهادة ألَّا إله إلَّا الله: هذه تقتضي الإخلاص في كلِّ عملٍ؛ فلهذا لا يصح أيُّ عملٍ لا يصحُّ من العبد إلَّا أن يكون لله، والشرط الثاني: هو موافقة الأمر، تحقيق المتابعة للرسول، وهذا ما تقتضيه شهادة أنَّ محمَّدًا رسول الله، فيجب أن يتحقَّقَ مقتضى هاتين الشهادتين، يجب أن يتحقق مقتضاهما في كلِّ عملٍ، في كلِّ عملٍ يتقرَّبُ به العبدُ لابدَّ أن يتحقَّق فيه الإخلاص والمتابعة للرّسول -عليه الصّلاة والسّلام-، فما انتفى، فما خلا عن الإخلاص فهو لغير الله، وهو الشّرك، وما خلا عن متابعة الرّسول فهو البدعة، ما خالف ما جاء به الرسول هو بدعة، وقد يجتمع في العمل الأمران: بدعة وشرك، يكون بدعةً وشركًا.

فالمقصود أن هذه السورة من أوَّلها إلى آخرها في شأن التوحيد، وخُتِمَتْ السّورة بذكر عاقبة الكافرين المشركين المكذِّبين لرسول الله، وعاقبة الموحِّدين المتقين الصّالحين، خُتِمَتْ السّورة بذكر عاقبة الفريقين: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ*فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ*وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ}[الروم:14-16].
هم في الدنيا -يعني المؤمنون والكفار- في هذه الدنيا يعيشون على هذه الأرض، وكلٌّ يعمل ما تقتضيه أحواله وأفكاره ومنشؤه وغاياته إلى آخره، هم ولكنهم مختلفون في هذه الّدنيا في أعمالهم، وبناءً على هذا الاختلاف في أعمالهم: تختلف عواقبهم؛ {فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ} يصيرون فريقين، في الدنيا هم فريقان في أعمالهم، بل هم فِرق، الكفار فرق؛ {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا}[الأنعام:159]، لكن يوم القيامة ينتهي أمرهم، أمر العباد إلى فريقين فريق في الجنة وفريق في السعير.
نسأل الله أن يعصمنا وإيَّاكم مِن كيد الشيطان، وأن يعصمنا مِن مضلَّات الفتن، وأن يمنَّ علينا وعليكم بالاستقامة حتى نلقاه، إنَّه تعالى سميع الدعاء.