بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ

التَّعليق على كتاب (المنتقى) للمجد ابن تيميَّة

الدَّرس: التسعون

***      ***      ***

 

- القارئ : بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ، قالَ الإمامُ مجدُ الدِّينِ عبدُ السَّلامِ بنُ تيميةَ الحرَّانيُّ -رحمَهُ اللهُ تعالى- في كتابِهِ "المُنتقَى في الأحكامِ الشَّرعيَّةِ مِن كلامِ خيرِ البريَّةِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ":

وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ

- الشيخ : بابٌ؟

- القارئ : تكملةُ بابِ أمسِ، قالَ: أَبْوَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ: بَابُ وُجُوبِهَا وَالْحَثِّ عَلَيْهَا

- الشيخ : قرأْنا هذا؟

- القارئ : نعم، قرأْنا عددًا من الأحاديثِ، لكن ما كمَّلنا البابَ باق فيه أحاديث

- الشيخ : تفضَّل

- القارئ : قالَ رحمَهُ اللهُ تعالى: وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً).

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: (صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا.

وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَى مَنْ أَبْطَلَ صَلَاةَ الْمُنْفَرِدِ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَجَعَلَ الْجَمَاعَةَ شَرْطًا؛ لِأَنَّ الْمُفَاضَلَةَ بَيْنَهُمَا تَسْتَدْعِي صِحَّتَهُمَا، وَحَمْلُ النَّصِّ عَلَى الْمُنْفَرِدِ لِعُذْرٍ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ قَدْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ أَجْرَهُ لَا يَنْقُصُ عَمَّا يَفْعَلُهُ لَوْلَا الْعُذْرُ، فَرَوَى أَبُو مُوسَى عَنْ النَّبِيّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: (إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ رَاحَ فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا أَعْطَاهُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- مِثْلَ أَجْرِ مَنْ صَلَّاهَا وَحَضَرَهَا لَا يُنْقِصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-

- الشيخ : مَن عزمَ على الفعلِ وفعلَ ما يستطيعُ فهو بمنزلةِ الفاعلِ، مَن عزمَ على الفعلِ وفعلَ ما يستطيعُ ممَّا هو مأمورٌ به فإنَّه بمنزلةِ الفاعلِ، كما هوَ الشَّأنُ في سائر الأعمال الصَّالحة والمعاصي، وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [النساء:100]، هذه سنَّةُ اللهِ في جزاءِ عبادِهِ على أعمالِهم خيرِها وشرِّها.

 

- القارئ : وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ صَلَاةً، فَإِذَا صَلَّاهَا فِي فَلَاةٍ فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا بَلَغَتْ خَمْسِينَ صَلَاةً) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. انتهى البابُ

- الشيخ : هذه الأحاديثُ ظاهرةُ الدَّلالةِ على فضلِ صلاةِ الجماعةِ، فضلُها في الأجرِ، وأنَّ صلاةَ الجماعةِ والَّذي عندي أنَّها الصَّلاةُ الرَّاتبةُ الَّتي يُنادَى لها في بيوتِ اللهِ، لا أيُّ جماعةٍ، فإنَّه لو صلَّى الإنسانُ في جماعةٍ في بيته، لم يكنْ له هذا الفضلُ، ولا ينطبقُ عليه ما جاءَ في الأحاديثِ من صفةِ الموعودِ بهذا الفضلِ، وهو الَّذي (تطهَّرَ فأحسنَ الطَّهورَ ثمَّ عمدَ إلى بيتٍ مِن بيوتِ اللهِ لا يخرجُهُ إلَّا الصَّلاةُ لا ينهزُهُ إلَّا الصَّلاةُ، فإنَّهُ لم يخطُ خطوةً إلا رُفِعَتْ له بها درجةٌ، وحُطَّتْ عنهُ بها خطيئةٌ فإذا أتى المسجدَ وجلسَ ينتظرُ الصَّلاةَ فهو في صلاةٍ) فهذا الوعدُ لمن هذه حالُه، ولكن الجماعة كما سيأتي، الجماعةُ مُرغَّبٌ فيها حتَّى ولو صلَّى الإنسانُ هنا أو هناكَ، لحديثِ أُبيٍّ: (صلاةُ الرَّجلِ معَ الرَّجلِ أزكى مِن صلاتِهِ وحدَهُ، وصلاتُهُ معَ الرَّجلَينِ أزكى مِن صلاتِهِ معَ الرَّجلِ)

- طالب: تختصُّ المساجدُ بالفضيلةِ؟

- الشيخ : نعم، في الأحاديثِ المتقدِّمةِ الَّتي فيها تهديدُ المتخلِّفينَ لم يقلْ: "لا يصلُّونَ جماعةً"، بل قالَ: (لا يشهدونَ الصَّلاةَ)، لا يحضرونها، الصَّلاةُ الَّتي أمرَ النَّبيُّ بإقامتِها وأمرَ مَن يصلِّي بالنَّاسِ نيابةً عنهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

وكما تقدَّم بالأمسِ مذاهبُ العلماءِ فيها متباعدةٌ ومتقابلةٌ، بينَها مذاهبُ، منهم من يقولُ: إنَّها سنَّةٌ وليسَتْ...، ومنهم من يقولُ: بأنَّها فرضُ كفايةٍ، معناها إذا قامَ بها من يكفي سقطَ الإثمُ عن الباقينَ، ومنهم ومنهم، ومنهم من يقولُ: إنَّها فرضُ عينٍ، وأوسطُ هذه الأقوالِ وأجمعُها للأدلَّةِ قولُ مَن يقولُ: إنَّها فرضُ عينٍ على الرِّجالِ المكلَّفينَ وليسَتْ شرطًا، لأنَّ من أهلِ العلمِ من قالَ أنَّها شرطٌ بمعنى أنَّه إذا تخلَّفَ عن صلاةِ الجماعةِ لم تصحَّ صلاتُه ما دامتِ الجماعةُ قائمةً، فقولُه هذا يشبهُ القولَ في صلاةِ الجمعةِ، صلاةُ الجمعةِ، حضورُ صلاةِ الجمعةِ شرطٌ، فهل تصحُّ صلاةُ مَن تركَ الجمعةَ وهي قائمةٌ كمن صلَّى الجمعةَ قبلَ أن يفرغَ النَّاسُ من صلاةِ الجمعةِ؟ لا، صلَّى الظُّهرَ أعني، صلَّى الظُّهرَ والجمعةُ قائمةٌ، هل تصحُّ له ظهرٌ؟ لا، لأنَّه لا يزالُ مطالبًا بحضورِ صلاةِ الجمعةِ.

أيش قالَ الشَّوكانيُّ عن الحديثِ الأخيرِ؟

- القارئ : قالَ رحمَهُ اللهُ: الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا ابْنُ مَاجَهْ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: (صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْفَلَاةِ تُضَاعَفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي الْجَمَاعَةِ) وَسَاقَ الْحَدِيثَ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: فِي إسْنَادِهِ هِلَالُ بْنُ مَيْمُونٍ الْجُهَنِيِّ الرَّمْلِيُّ كُنْيَتُهُ أَبُو الْمُغِيرَةِ، قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: ثِقَةٌ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: لَيْسَ بِقَوِيٍّ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ، وَقَدْ وَثَّقَهُ أَيْضًا غَيْرُ ابْنِ مَعِينٍ كَمَا قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ قَوْلُهُ: (فَإِذَا صَلَّاهَا فِي فَلَاةٍ) هُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَهَا مُنْفَرِدًا أَوْ فِي جَمَاعَةٍ، قَالَ ابْنُ رَسْلَانَ: لَكِنَّ حَمْلَهُ عَلَى الْجَمَاعَةِ أَوْلَى، وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ السِّيَاقِ. انْتَهَى.

وَالْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى الِانْفِرَادِ؛ لِأَنَّ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ قَوْلِهِ: (صَلَّاهَا) إلَى مُطْلَقِ الصَّلَاةِ لَا إلَى الْمُقَيَّدِ بِكَوْنِهَا فِي جَمَاعَةٍ.

- الشيخ : قابلَ قابلَ بينَ من صلَّاها في جماعةٍ أو صلَّاها في فلاةٍ

- القارئ : وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الرِّوَايَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ فِيهَا صَلَاةَ الرَّجُلِ فِي الْفَلَاةِ مُقَابِلَةً لِصَلَاتِهِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْفَلَاةِ: الْأَرْضُ الْمُتَّسَعَةُ الَّتِي لَا مَاءَ فِيهَا، وَالْجَمْعُ: فَلًى مِثْلَ حَصَاةٍ وَحَصًى.

وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ الصَّلَاةِ فِي الْفَلَاةِ مَعَ تَمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَأَنَّهَا تَعْدِلُ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي جَمَاعَةٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ، وَعَلَى هَذَا الصَّلَاةُ فِي الْفَلَاةِ تَعْدِلُ أَلْفَ صَلَاةٍ وَمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ صَلَاةً فِي غَيْرِ جَمَاعَةٍ، وَهَذَا إنْ كَانَتْ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَتَضَاعَفُ إلَى خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ضِعْفًا فَقَطْ، فَإِنْ كَانَتْ تَتَضَاعَفُ إلَى سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ -كَمَا تَقَدَّمَ- فَالصَّلَاةُ فِي الْفَلَاةِ تَعْدِلُ أَلْفًا وَثَلَاثَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ صَلَاةً، وَهَذَا عَلَى فَرْضِ أَنَّ الْمُصَلِّيَ فِي الْفَلَاةِ صَلَّى مُنْفَرِدًا، فَإِنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ تَضَاعَفَ الْعَدَدُ الْمَذْكُورُ بِحَسَبِ تَضَاعُفِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الِانْفِرَادِ وَفَضْلُ اللَّهِ وَاسِعٌ.

وَالْحِكْمَةُ فِي اخْتِصَاصِ صَلَاةِ الْفَلَاةِ بِهَذِهِ الْمَزِيَّةِ أَنَّ الْمُصَلِّيَ فِيهَا يَكُونُ فِي الْغَالِبِ مُسَافِرًا، وَالسَّفَرُ مَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ، فَإِذَا صَلَّاهَا الْمُسَافِرُ مَعَ حُصُولِ الْمَشَقَّةِ تَضَاعَفَتْ إلَى ذَلِكَ الْمِقْدَارِ، وَأَيْضًا الْفَلَاةُ فِي الْغَالِبِ مِنْ مَوَاطِنِ الْخَوْفِ وَالْفَزَعِ لِمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ الطِّبَاعُ الْبَشَرِيَّةُ مِنْ التَّوَحُّشِ عِنْدَ مُفَارَقَةِ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ، فَالْإِقْبَالُ مَعَ ذَلِكَ عَلَى الصَّلَاةِ أَمْرٌ لَا يَنَالُهُ إلَّا مَنْ بَلَغَ فِي التَّقْوَى إلَى حَدٍّ يَقْصُرُ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْإِقْبَالِ وَالْقَبُولِ، وَأَيْضًا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ تَنْقَطِعُ الْوَسَاوِسُ الَّتِي تَقُودُ إلَى الرِّيَاءِ، فَإِيقَاعُ الصَّلَاةِ فِيهَا شَأْنُ أَهْلِ الْإِخْلَاصِ.

وَمِنْ هَهُنَا كَانَتْ صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْبَيْتِ الْمُظْلِمِ الَّذِي لَا يَرَاهُ فِيهِ أَحَدٌ إلَّا اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- أَفْضَلُ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِانْقِطَاعِ حَبَائِلِ الرِّيَاءِ الشَّيْطَانِيَّةِ الَّتِي يُقْتَنَصُ بِهَا كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَعَبِّدِينَ، فَكَيْفَ لَا تَكُونُ صَلَاةُ الْفَلَاةِ مَعَ انْقِطَاعِ تِلْكَ الْحَبَائِلِ وَانْضِمَامِ مَا سَلَفَ إلَى ذَلِكَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ؟ وَالْحَدِيثُ أَيْضًا مِنْ حُجَجِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْجَمَاعَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ. انتهى

- الشيخ : اللهُ المستعانُ، والَّذي عندي أنَّه أقربُ إلى حمله على من يصلِّي في الفلاة فارًّا بدينِه، فالَّذي جاءَ فيه في الحديث: (رجلٌ في غُنيمةٍ يتتبَّعُ بها شعفَ الجبالِ يفرُّ بدينِهِ مِن الفِتنِ) ويُقيمُ الصَّلاةَ، فهو يصلِّي بعيدًا عن النَّاسِ مقيمًا لها متمًّا لركوعِها وسجودِها.

وهذا إطلاقُه قد يتمسَّكُ به من يقولُ -مثلًا- من صلَّى فلاةً ولو خرجَ للنُّزهةِ، خرجَ لنزهةٍ، إذن الَّذين يخرجون في أيَّامِ المطرِ صلاتُهم في البريَّةِ أفضلُ من صلاتِهم في المساجدِ، هذا ليسَ بظاهرٍ واللهُ أعلمُ، وهل يكونُ فيهِ ترغيبٌ للخروجِ إلى الفلاةِ؟! فالكلامُ الَّذي قيلَ لا يشفي الصَّدرَ من موضوعِ هذا الحديثِ، اللهُ أعلمُ بمرادِ رسولِه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ-، وحملَه المؤلِّفُ على المسافرِ. إلى هنا يا محمَّد.

 

- طالب: يقولُ: وَمِنْ هَهُنَا كَانَتْ صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْبَيْتِ الْمُظْلِمِ الَّذِي لَا يَرَاهُ فِيهِ أَحَدٌ إلَّا اللَّهُ أَفْضَلُ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، هذا ما فيه نظرٌ؟

- الشيخ : لا، إلَّا فيه نظرٌ ثمَّ نظرٌ، من أينَ له أن يقولَ: "في البيتِ المظلمِ الَّذِي لَا يَرَاهُ فِيهِ إلَّا اللَّهُ"؟ وتقييدُه بمظلمٍ، "أَفْضَلُ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْإِطْلَاقِ" أيضًا، دعوةٌ واسعةٌ عريضةٌ، دعوةٌ عريضةٌ، فيها شيءٌ من التَّوسُّعِ والمجازفةِ، سبحانَ الله!

- طالب: ويجري على ظاهرِ حديثِ: (أفضلُ صلاةِ الرَّجلِ في بيتِهِ إلَّا المكتوبةَ)

- الشيخ : (في بيتِهِ إلَّا المكتوبةَ) لكن من أينَ له أن يقولَ: "المظلمُ"؟

- طالب: لعلَّها في بعضِ الرِّوايات، الشَّوكانيُّ أثريٌّ ما

- طالب: عادةُ الصُّوفيَّةِ يطفئونَ الأنوارَ حتَّى في المساجدِ يقولون: أفضلُ في الظَّلامِ؟

- الشيخ : أمَّا الأضواءُ هذه الَّتي الآن ابتُلِي النَّاسُ بها فلا ريبَ أنَّها تُحدثُ تشويشًا على ذهنِ المصلِّي، الأضواءُ الكاشحةُ السَّاطعةُ تشغلُ فكرَه وتسترعي انتباهَه، وتجعلُه ينظرُ يمينًا وشمالًا بعينِه، لكن تخيُّرُ الظَّلامِ نقولُ: يتحرَّى الصَّلاةَ في ظلامٍ، هذا يحتاجُ إلى برهانٍ.