بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
التَّعليق على كتاب (فَتحُ الرَّحيمِ الملكِ العَلاَّمِ في عِلمِ العقَائِدِ وَالتَّوحيْدِ وَالأخْلاَقِ وَالأحكامِ المُستنَبَطةِ مِن القرآنِ)
علم الأحكام
الدَّرس: الثَّاني

***    ***    ***    ***

 

- القارئ : الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ، اللَّهمَّ اغفرْ لشيخِنا وللحاضرينَ والمستمعينَ. قالَ الشَّيخُ عبدُ الرَّحمنِ بنُ ناصرٍ السَّعديُّ -رحمَهُ اللهُ تعالى- في كتابِهِ: "فَتحُ الرَّحيمِ الملكِ العَلَّامِ في عِلمِ العقَائِدِ وَالتَّوحيْدِ وَالأخْلاَقِ وَالأحكامِ المُستنَبَطةِ مِن القرآنِ"

النَّوعُ الثَّالثُ:

علمُ الأحكامِ في العباداتِ والمعاملاتِ والمواريثِ

وقالَ تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ [البقره:144] أي: جهتُهُ، فأوجبَ استقبالُ الجهةِ عندَ تعذُّرِ إصابةِ العينِ.

وقالَ تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31] أي: البسُوا ثيابَكم واسترُوا عوراتِكم للصَّلاةِ، فإنَّ الزِّينةَ ما تدفعُ الشَّناعةَ والقبحَ في كشفِ العورةِ، وتمامُ أخذِ الزِّينةِ حصولُ الجمالِ، ففيهِ أمرٌ بالأمرَينِ بسترِ العورةِ، وبتكميلِ اللِّباسِ كما هوَ مبيَّنٌ مفصَّلٌ في السُّنَّةِ.

وقالَ تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ [الأعراف:204] وأبلغُ ما يدخلُ في هذا إنصاتُ المأمومِ لقراءةِ إمامِهِ في الصَّلاةِ الجهريَّةِ، وقد أمرَ اللهُ بالقيامِ والرُّكوعِ والسُّجودِ والقنوتِ الَّذي يدخلُ فيهِ السُّكوتُ. فقالَ تعالى: وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}[الحج:77]، وقالَ: فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [المزمل:20]، ففي هذا فضيلةُ هذهِ المذكوراتِ وأنَّها أركانٌ للصَّلاةِ.

وسمَّى اللهُ الصَّلاةَ إيمانًا في قولِهِ: وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة:143] أي: صلاتُكم لبيتِ المقدِسِ قبلَ تحويلِ القبلةِ، لأنَّ الصَّلاةَ ميزانُ الإيمانِ.

وقد أمرَ اللهُ بالمحافظةِ على الصَّلواتِ عمومًا، وعلى صلاةِ العصرِ خصوصًا في قولِهِ: حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى [البقرة:238] وأثنى على المحافظِينَ عليها، وذلكَ يقتضي المحافظةَ على شروطِها وأركانِها وجميعِ ما يلزمُ لها وعلى مكمِّلاتِها، وكذلكَ الأمرُ بإقامتِها والثَّناءُ على المقيمينَ لها يدلُّ على ذلكَ.

والأمرُ بالمسابقةِ إلى الخيراتِ والمنافسةِ فيها، يدلُّ على السَّعيِ في تكميلِ الصَّلاةِ وغيرِها مِن العباداتِ.

وقالَ تعالى: فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ [الماعون:4-5]، ويدخلُ في هذا الوعيدِ تركُها بالكلِّيَّةِ وتفويتُ وقتِها، والإخلالُ بشيءٍ ممَّا يجبُ فيها، وأمَّا السَّهوُ فيها فلم يَذُمَّهُ اللهُ، ولهذا وقعَ مِن النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- وسجدَ لهُ سجدتَينِ في آخرِ الصَّلاةِ، وأمرَ أمَّتَهُ بذلكَ عندَ وجودِ سببِهِ.

وذمَّ تعالى المنافقينَ الَّذينَ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً [النساء:142] ففيهِ وجوبُ الطُّمأنينةِ في الصَّلاةِ، وتكميلُ ركوعِها وسجودِها وقيامِها وقعودِها؛ لأنَّ العبدَ لا يسلمُ مِن هذا الذَّمِّ إلَّا بهذا التَّكميلِ والإخلاصِ للهِ تعالى.

وَقَدْ مدحَ اللهُ تعالى الخشوعَ في جميعِ الأحوالِ وفي الصَّلاةِ خصوصًا، وذلكَ بحضورِ القلبِ فيها وتدبُّرِ أقوالِها وأفعالِها، وتمامُ ذلكَ أنْ يَعبدَ اللهَ كأنَّهُ يراهُ، فإنْ لم يكنْ يراهُ فإنَّهُ يراهُ. ومِن لوازمِ ذلكَ تركُ الحركةِ في الصَّلاةِ وعدمُ الالتفاتِ وإلزامُ النَّظرِ لمحلِّ سجودِهِ.

وقالَ تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً [المزمل:1-4]، وقولُهُ: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ [الإسراء:79]، كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}[الذاريات:17-18]. ففي هذا الأمرِ بقيامِ اللَّيلِ وفضلِهِ، وأنَّ أهلَهُ هم خيارُ الخلقِ. وأخبرَ في آخرِ "المزَّمِّلِ" أنَّ الرَّسولَ وطائفةً معَهُ مِن المؤمنينَ قامُوا بذلكَ التَّقديرِ، وأنَّ اللهَ يسَّرَ على النَّاسِ -خصوصًا أهلَ الأعذارِ مِن المرضِ والشُّغلِ- فإنَّهم يقرؤونَ ما تيسَّرَ منهُ، أي: يصلُّونَ مِن اللَّيلِ ما يَهُونُ عليهم ولا يَشُقْ.

واستُدِلَّ بقولِهِ: وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43] على وجوبِ الجماعةِ وركنيَّةِ الرُّكوعِ، وفضلِهِ، وأنَّهُ تُدرَكُ بهِ الرَّكعةُ.

واستُدِلَّ بأمرِ اللهِ بالجماعةِ في حالِ الخوفِ على وجوبِ الجماعةِ في حالةِ الأمنِ مِن بابِ أولى.

وكذلكَ استُدِلَّ بقولِهِ تعالى: وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً [المائدة:58]، و إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة:9]، على وجوبِ النِّداءِ للصَّلواتِ الخمسِ والجمعةِ، وهوَ المتقرِّرُ عندَ المسلمينَ صفتُهُ، وعلى وجوبِ الجماعةِ للصَّلواتِ الخمسِ والجمعةِ، وعلى وجوبِها في المساجدِ.

وقد ذكرَ اللهُ السَّجداتِ في القرآنِ وفي بعضِها الأمرَ بهِ، وذمَّ مَنْ لم يسجدْ عندَ تلاوةِ الآياتِ، وإخبارُهُ بسجودِ المخلوقاتِ فهذا يدلُّ على مشروعيَّةِ سجودِ التِّلاوةِ، استحبابًا عندَ جمهورِ العلماءِ وأوجبَهُ بعضُهم، وسجدَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في ص وقالَ: (سجدَها داودُ توبةً فنحنُ نسجدُها شكرًا للهِ) يدلُّ على مشروعيَّةِ سجودِ الشُّكرِ.

- الشيخ : الحديثُ في تعليق عليه؟

- القارئ : نعم

- الشيخ : أيش قال؟

- القارئ : أخرجَهُ النَّسائيُّ وصحَّحَهُ الألبانيُّ في صحيحِ سننِ النَّسائيِّ.

- الشيخ : أحسنْتَ

- القارئ : وقالَ تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ [الطور:48-49]، وفي الأخرى: وَأَدْبَارَ السُّجُودِ [ق:40] يدلُّ على صلاةِ اللَّيلِ وخصوصًا آخرَهُ، والذِّكرِ عقبَ الصَّلواتِ الخمسِ.

وقالَ تعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَة [النساء:101]

- الشيخ : إلى هنا، الشَّيخُ -رحمَه اللهُ وجزاه اللهُ خيرًا- لَمَّا ذكرَ أنواعَ العلومِ ذكرَ أنَّ العلمَ الثَّالثَ هو علمُ الأوامرِ والنَّواهي، ثمَّ نوَّهَ بشأنِ الصَّلاةِ؛ لأنَّها أعظمُ الواجباتِ بعدَ التَّوحيدِ، وينبِّهُ في هذا الكلامِ إلى ما تضمَّنَه القرآنُ في شأنِ الصَّلاةِ أمرًا بها وثناءً على المقيمين لها والخاشعين فيها، وما تضمَّنَه القرآنُ ممَّا يتعلَّقُ بصفتِها وأحكامِها، وفي الحقيقة أنَّ هذه معانٍ عظيمةٌ، فالصَّلاةُ أعظمُ الشَّرائعِ وهيَ عمودُ الإسلامِ وهيَ أعظمُ مباني الإسلامِ بعدَ الشَّهادتينِ، ولهذا جاءَ في القرآنِ من التَّنويهِ بها وذكرِ أركانِها وواجباتِها كما نبَّهَ الشَّيخُ في هذه الآياتِ.