وصيَّة لأهل القوقاز ومسلمي روسيا

 

السؤال : هذا سائلٌ مِن الشبكةِ مِن القوقازِ يقولُ: ما وصيتُكُمْ لأهلِ القُوقازِ خصوصًا ومُسْلِمِي روسيا عمومًا ؟

 

الجواب : الحمدُ لله، وصلَّى الله وسلَّم وباركَ على عبدِهِ ورسولِهِ وعلى آلِهِ، أُوصِي المسلمينَ بالقوقازِ وغيرِه مِن بلادِ المسلمين، أُوصِي جميعَ المسلمين بما وصَّى اللهُ به عبادَهُ؛ مِن توحيدِهِ، وعبادتِهِ وحدَهُ لا شريكَ له، وإخلاصِ الدِّينِ له، ولزومِ طاعتِهِ، والمحافظةِ على فرائضِهِ، واجتنابِ محارمِهِ، فبذلكَ يُحقِّقُ المسلمُ دينَهُ، فالإسلامُ دِيْنٌ شاملٌ لاعتقاداتٍ وأقوالٍ وأفعالٍ وعباداتٍ، فعلى المسلمِ أن يُحقِّقَ إسلامَهُ بأداءِ فرائضِ اللهِ واجتنابِ محارمِهِ، وهذه حقيقةُ التَّقوى، واللهُ وصَّى عبادَهُ بالتَّقوى في آياتٍ عمومًا وخصوصًا، فوصَّى الناسَ كلَّهم بالتقوى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ [النساء:1] وخصَّ المؤمنين فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ [آل عمران:102] اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا [الأحزاب:70] بل أوصى نبيَّهُ بالتَّقوى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب:1]، وتقوى الله حقيقتُها كما قالَ بعضُ السَّلف: أنْ تعملَ بطاعةِ اللهِ على نورٍ مِنَ اللهِ ترجو ثوابَ اللهِ، وتجتنبَ معاصي اللهِ على نورٍ مِنَ اللهِ تخافُ عقابَ اللهِ .

كما أُوصِي جميعَ المسلمين أنْ يتذكَّروا نعمةَ اللهِ عليهِم بالإسلامِ؛ فإنَّها النّعمةُ العُظمى التي هي سببُ السَّعادةِ في الدُّنيا والآخرة، فالإسلامُ -الذي هو دِيْنُ اللهِ ولا يَقبلُ مِنْ أحدٍ دينًا سواهُ- هو سبيلُ النَّجاةِ والفلاحِ لِمَنِ استقامَ عليهِ ظاهرًا وباطنًا، على المسلمِ أنْ يَذْكُرَ هذه النّعمةَ ويسألَ ربَّهُ الثباتَ عليها ويجاهدَ نفسَهُ لتحقيقِ هذه النّسبةِ، كثيرٌ مِن المسلمينَ ينتسبُ للإسلامِ وليسَ معَهُ مِنَ الإسلامِ إلا اسمُهُ، ومَنْ هذه حالُهُ لا يكونُ مُسلِمًا، فمَنْ يَدَّعِي الإسلامَ وهو -والعياذ بالله- لا يُصلِّي ولا يصومُ ولا يُؤدِّي فرائضَ الله ولا يعملُ ولا يتعلَّمُ هذا الدِّين، هذا ليسَ بمسلمٍ في الحقيقةِ؛ لأنَّهُ مُعْرِضٌ عن دينِ الله، ومِنْ نواقضِ الإسلامِ: الإعراضُ عن الدِّين كليًّا علمًا وعملًا، لا يَتَعَلَّمُهُ ولا يعملُ به، اللهُ تعالى يقولُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [البقرة:208] يعني: ادْخُلُوا في الدِّينِ كلِّهِ، لا تدخلُوا ببعضِهِ دونَ بعضٍ، فعلى المسلمِ أن يُؤدِّي فرائضَ الله كلَّها ويجاهدَ نفسَه في ذلك، ويجتنبَ المحارمَ كلَّها، وبهذا يَنَالُ السَّعادةَ والفلاحَ في الدنيا والآخرة وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [البقرة:189].

كما ينبغي لِمَنْ آتاهُ الله علمًا أنْ يُعلِّمَ الجاهلينَ ويَدعوهُمْ إلى القيامِ بما أوجبَ اللهُ عليهم؛ فإنَّ الواجبَ على مَن عَلِمَ شيئًا مِن دِيْنِ اللهِ أنْ يُبلِّغَهُ وأن يُعَلِّمَهُ لغيرِهِ وأن يدعوَ النَّاسَ به، فإنَّ هذه وظيفةُ الرّسلِ وأتباعِهِم؛ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108] وبهذا يَحصلُ الخيرُ للفردِ والمجتمعِ، وما ضَرَّ المسلمينَ مثلُ تفريطِهم في جَنْبِ الله، وتضييعِهِم لفرائضِهِ وانتهاكِهِمْ لـحُرُمَاتِهِ؛ فإنَّ ذلك هو سببُ كلِّ شرٍّ، وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30] أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران:165] مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء:79] أي: بسببِ ذَنْبِكَ.

والسَّببُ الجامعُ لهذا كلِّهِ هو: الإقبالُ على تلاوةِ القرآنِ وقراءةِ القرآنِ وتَعَلُّمِ معانيهِ والعملِ بما فيهِ؛ فإنَّه فيه الهُدى والنّور كما قالَ تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2] هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185] فالقرآنُ هُدًى ورحمةٌ وشفاءٌ، قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ [فصلت:44]، ففي القرآنِ الشِّفاءُ والهُدى والرَّحمةُ والبُشرَى للمؤمنينَ بِهِ، نسألُ الله أنْ يَـمُنَّ علينا بالفِقْهِ في الدِّينِ، وأنْ يَعْصِمَنَا مِنْ مُضِلَّاتِ الفِتَنِ ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ .