بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ

معاني ما يُقرَأُ في صلاة الوتر -سورتي "الكافرون والإخلاص"-
 
اليوم أذكر لكم بعض ما يتعلَّق بسورتي الإخلاص، {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}[الكافرون:1]، و{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}[الإخلاص:1]. يُقال: إنَّهما سورتا الإخلاص، لأنهما متضمنتان التوحيد، التوحيد الذي هو أصل الدين، دين الرسل كلّهم من أوَّلهم إلى آخرهم، التوحيد الاعتقاديّ العلميّ، والتوحيد العمليّ.
فأمّا سورة {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ}: فهي براءة إعلان البراءة من الشرك كلّه، والبراءة من المشركين ودينهم، وهذا أصلٌ، البراءة مِن الكفار باعتقاد بطلان دينهم، دين اليهود والنّصارى وكلّ الأمم الخارجة عن دين الإسلام، كلّهم على الباطل، فتجب البراءة منهم، لسنا منهم وليسوا منَّا، {أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ}[يونس:41]؛ هكذا أمر الله نبيَّه أن يقول للكفار، {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} يقول العلماء: هذا خطاب، هذا أمر مِن الله أن يتوجه بهذا إلى كل الكفار، كل الكفار -اليهود والنصارى- وكل ملل الكفر، {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ*لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ}[الكافرون:1-2]، معبوده: ربُّ العالمين، ومعبودهم: الأوثان التي يعبدونها على اختلافها، {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا}[الأنعام:159].
{قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ*لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ}، المشركون ولو عبدوا الله مع الشرك فما هم بعابدين لله، عبادتهم باطلة، مَن عبد الله وهو مشرك: فليس بعابدٍ لله، ولا يُعتدُّ بعبادته، تكون عبادته باطلة، {وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ}[الكافرون:3]، وتأكيداً لهذا المعنى قال سبحانه: {وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ*وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ}[الكافرون:4-5]، ثم خُتِمَتْ: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}[الكافرون:6]، {لَكُمْ دِينُكُمْ} للكفار دينهم، وللنّبي والمؤمنين ومَن اتبعه لهم دينهم الحق، هما دينان: دينُ الحق، ودينُ الباطل، {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ}[آل عمران:85].

وكثير مِن جهلة المسلمين في هذا العهد يتورَّعون، أو يحاذرون أن يقولوا عن الكفار -اليهود والنصارى-: أنّهم كفار أو غيرهم، لا؛ هم كفار بنصِّ القرآن، اليهود والنصارى، فكيف بغيرهم ممن لا ينتسبون إلى دين أصلاً من أديان الرسل، سبحان الله، فيلجؤون إلى أن يقولوا: "غير المسلمين، غير المسلمين"، احترازاً من أن يطلقوا اسم الكفر على هذه الأمم، لا؛ هم كفار، أيُّ كفار، والكفار بعضهم أولياء بعض، فيجب أن يستقرَّ هذا المبدأ هذا الأصل في قلب المؤمن، يبغض الكفار ويبغضهم دينهم، ويدين لله أن كلَّ الأديان باطلة إلَّا دين الإسلام، دين الإسلام هو الدين، {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ}[آل عمران:19]، {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا}[آل عمران:85]، وهو دين الرسل من أولهم إلى آخرهم، الإسلام القائم على التوحيد، على عبادة الله وحده لا شريك له، هو دين الرسل كلهم من أوَّلهم إلى آخرهم، من أوَّلهم نوح -عليه السلام-، بل آدم -عليه السلام- إلى خاتمهم محمَّد -صلّى الله عليه وسلم-، كلّهم دينهم الإسلام، فأتباع موسى الذين كانوا على دينه -عليه السلام- هم مسلمون، وأتباع المسيح الذين تمسكوا بدينه -عليه السلام- هم على الإسلام، وَمن خالف ما جاءت به الرسل فهو على دينٍ باطلٍ مِن أديان الكافرين.

أمّا سورة الإخلاص {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}: فإنّها متضمّنة لصفة الرّب صفة، وقد جاء في قصة رجلٍ -رضي الله عنه- من الصحابة كان أميرًا على سرية، وكان يؤم أصحابه في الصلاة، صلاة جهرية، ثم إذا قرأ سورةً بعد الفاتحة يقرأ ويختم قراءته بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، فأُخبر النبي -عليه الصّلاة والسّلام- عن شأنه، فقال: (سلوه لِمَ فعل هذا؟) قال: إنّها صفة الرحمن وأنا أحبُّها، فأخبره النبي -عليه الصّلاة والسّلام- بأن حبَّه إيَّاها أدخله الله الجنة، الله أكبر.
{قُلْ هُوَ اللَّهُ} قل يا محمّد، وهو أمر لكلّ مؤمن، {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} أحدٌ لا شريك له، ولا شبيه له سبحانه وتعالى، هو أحدٌ واحدٌ فردٌ، و"الصّمد" معناه الذي تصمد إليه العوالم والخلائق في حوائجها، هو الصّمد الكامل في جميع... 

{لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}[الإخلاص:3]، فهو الأوَّل الذي ليس قبله شيء، وقد كفر الذين قالوا: إنّ الملائكة بنات الله، أو قالوا: عزير ابن الله، أو قالوا: المسيح ابن الله، هذه أمور الكفر، فهم كفروا بذلك، بنسبة الولد إليه، فالله تعالى {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} بل هو أحدٌ صمدٌ؛ وخُتِمَتْ السورة بالآية {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}[الإخلاص:4]، يعني ليس لله كفء، ليس لله مثل، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}[الشورى:11].
فتدبَّروا هذه السّور التي تُردَّد، وترددونها في صلواتكم، وتردَّد على مسامعكم، فإنَّهما سورتان عظيمتان، وكلّ سور القرآن كلّها كلام الله أنزلها الله للتدبُّر، {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}[ص:29]. وصلّى الله على نبيِّنا.