بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ
شرح "بلوغ المرام مِن أدلّة الأحكام" (كتاب الطّلاق)
الدّرس الثّامن عشر

***    ***    ***    ***
 
- القارئ: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّمَ وباركَ على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلِه وصحبِه أجمعين، قال الحافظُ ابن حجرٍ -رحمَه الله تعالى- في "بلوغ المرام" في تتمَّةِ بابِ الرَّضاعِ:
وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ، وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ هُوَ وَالْحَاكِمُ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: "لَا رَضَاعَ إلَّا فِي الْحَوْلَيْنِ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا وَرَجَّحَا الْمَوْقُوفَ.
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-:
(لَا رَضَاعَ إلَّا مَا أَنْشَزَ الْعَظْمَ، وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ). أخرجَه أبو داوود.
- الشيخ:
استدلَّ الجمهورُ بهذه الأحاديثِ على أنَّ الرَّضاعَ المُحرَّمَ ما كانَ في وقتِ الرضاعِ في الحولَين، وكان قبلَ الفِطامِ، والرَّضاعُ في هذا الوقتِ هو الذي نبتَ اللحم وينشزُ العظمَ، يعني هو الذي يُنمِّي جسمَ الرَّضيع، أما إذا كبِرَ خلاص يأكلُ ويشرب ليسَ الرضاعُ هو الذي ينبت لحمه، فعُلم أنَّ الرَّضاع المُحرَّم ما كان على هذا الوجهِ، أمَّا إذا تجاوزَ وقتَ الإرضاعِ وأصبحَ غنيًّا عن الرضاعِ، الطفلُ غنيٌّ عن الرضاعِ يأكلُ ويشرب مُستغنيًا، فإنَّ رضاعَه إذا رضعَ وهو بهذه السِّنِّ فرضاعُه غير مُحرِّمٍ، فكيف إذا رضعَ وهو ابن عشرِ سنين أو خمسةَ عشر سنةً أو ثلاثينَ سنة.
إذًا هذا دليلٌ على أنَّ رضاعَ الكبير غير مُحرِّمٍ، وهذا هو الأصلُ، لكن حديثَ سُهيلة بنت سهلٍ امرأة حذيفة التي قالَ لها النبيُّ أرضعِيه -أي سالمًا- خمسَ رضعاتٍ تحرُمي عليه فهذا خاصٌّ، جمهورُ أهلِ العلم جعلَه خاصَّاً، قالوا: أنَّه خاصٌّ بسالم، ومن أهلِ العلم من توسَّطَ وقالَ: إنَّه يدلُّ على أنَّ إرضاعَ الكبير يُحرِّمُ إذا دعَتْ إلى ذلك حاجةٌ، يعني حاجةٌ ماسَّة، ولكن هذا لا يُقال به بإطلاقٍ ويُفتى فيه فتوى عامَّة لا. ينظر المُفتي في الحالةِ المُعيَّنةِ ويجتهدُ في ذلك، فمن أهل العلمِ من لا يعتبرُ إرضاعَ الكبير مُطلقًا، وحينئذٍ فلا يُستفتى في هذا ولا يُفتَى أحدٌ ولا شيءٌ مُطلقًا، أما من يجمعُ بين الدليلَين ويرى أنَّه يجوز إرضاعُ الكبير أو يحرمُ إرضاع الكبيرِ في حالاتٍ مخصوصةٍ فهذا يرجعُ الأمرُ فيه وتحديدُه إلى المُفتي ويتحمَّلُ تبعةَ فتواه، ويجتهدُ في ذلك ويتَّقِي الله. أعدِ الأحاديث.
 
- القارئ: وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ، وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ)
- الشيخ: ما فتقَ الأمعاءَ وكان قبلَ الفِطام، يعني ما كان قبلَ الفِطام يعني في الحولَين، هذا الأغلبُ، وفتقَ الأمعاءَ كأنَّ الرَّضاعَ الذي يفتقُ الأمعاء هو الرضاعُ الأولُ، يفتق أمعاءَ الصبيِّ لأنه صغيرٌ ولم ينفذْ إليها غذاءٌ يفتقها، فالرضاع المُحرِّم هو ما فتقَ الأمعاء وكان قبلَ الفِطام، أو هو كنايةٌ عن الكميةِ، ولذلك لا يحصلُ إلا مثلًا: خمسُ رضعات.
 
- القارئ: وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: "لَا رَضَاعَ إلَّا فِي الْحَوْلَيْنِ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا، وَرَجَّحَا الْمَوْقُوفَ.
- الشيخ:
والظاهرُ أنَّ هذا إذا كان موقوفًا فهو من نوعِ ما له حكمُ الرفعِ، لأنَّ هذا له حكمٌ عام، فيقول: "لا يُحرِّمُ من الرَّضاع إلَّا ما كان في الحولَين"، هذا تقييدٌ لحكمٍ جاءَ في القرآنِ وجاء في السنةِ، أنَّ الرضاعَ مُحرِّم خمسُ رضعاتٍ يُحرِّمنَ، فتقييدُه بهذه المدةِ ليس ممَّا للرأيِ فيه مجالٌ واجتهادٌ.
 
- القارئ: وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (لَا رَضَاعَ إلَّا مَا أَنْشَزَ الْعَظْمَ، وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ). أخرجه أبو داوود.
- الشيخ:
فانظر إلى العظامِ كيف ننشزُها، وهو عبارةٌ عن نموِّ العظام، ينبتُ اللحمَ وينشزُ العظمَ وينشرُه وينمو به العظمُ، وهذا لا يتحقَّقُ إلا فيما إذا كان الصبيُّ يعتمدُ على الرضاعِ.
 
- القارئ: "وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ، فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَسَأَلَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ: (كَيْفَ، وَقَدْ قِيلَ) فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ فَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
- الشيخ:
في هذا الحديثِ دلالةٌ على أنَّه إذا ثبتَ إرضاعُ امرأةٍ لزوجين فإنَّهما يصيران أخوَين من رضاعٍ، وحينئذٍ فيجبُ التفريق بينَهما، ويجبُ على الزوج أنْ يُفارقها، فراقَ فسخٍ –بطلان- يعني تبيَّن بعد ثبوت الرضاعِ أنَّ النكاحَ باطلٌ، فلا يحتاج إلى تطليقٍ، لا يحتاج إلى أن يُطلِّقَها، الزواجُ أصلًا لم يقع موقعَه، ولم يقعْ على أجنبيةٍ، بل هي أختُه من الرضاعِ.
فهذا عقبةُ بن عامر ذكرَ أنه تزوَّجَ امرأةً فجاءَت امرأةٌ فقالَت: إني أرضعْتُكما، فسألَ النبيَّ فقالَ -عليه الصلاة والسلام-: كيف وقد قيل؟، ففارقَ المرأة، يعني فهمَ من الرسول أنه يقولُ فارِقْها: (كيفَ وقد قيل)، لكن هذا عندَ أهل العلم مُقيَّدٌ بما تقتضِيه الأصولُ، فإذا كانت امرأةٌ ثقةٌ وهي غير مُتهمةٍ، لأنَّه قد تأتي امرأةٌ تريد التفريقَ بين الزوجين ظلمًا وعدوانًا وحسدًا وكيدًا، فلا يُعتدُّ بها، لكنْ إذا كانت المرأةُ ثقةً وانتفت التهمةُ لم يكن هناكَ ما يُوجب التهمة أو قامَت القرائنُ على صدقِ هذه المرأة فعلى الزوجينِ أن يفترِقَا، وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا [النساء:130]
وهذا من المواضعِ التي تكونُ البيِّنةُ فيها امرأةٌ واحدةٌ، لأنَّ الرِّضاعَ في الغالبِ لا يطَّلعُ عليه إلا النساءُ هذا هو الغالبُ، ماذا يدلُّ الرجالَ أنَّ هذه أرضعَتْ هذه أو هذه أرضعَت هذا؟ وفي المسألةِ خلافٌ بين أهلِ العلم، بعده، انتهى الباب.
 
- القارئ: الحديثُ الأخير، وَعَنْ زِيَادٍ السَّهْمِيِّ قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ تُسْتَرْضَعَ الْحَمْقَى". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَهُوَ مُرْسَلٌ
- الشيخ:
أَنْ تُسْتَرْضَعَ الْحَمْقَى
- القارئ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد، وَهُوَ مُرْسَلٌ، وَلَيْسَتْ لِزِيَادٍ
- الشيخ:
وهو مُرسَلٌ؟
- القارئ: نعم، وَلَيْسَتْ لِزِيَادٍ صُحْبَةٌ.
- الشيخ:
هذا الحديث لو كان صحيحًا لكانَ معناه: ينبغي الاختيارُ في الاسترضاعِ، إذا كان عندَ الإنسان طفلٌ يريد أن يسترضعَ له، أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ الآية [البقرة:233]، الاسترضاعُ طلبُ الرضاعِ للطفلِ الذي ماتَت أمه أو طُلِّقت أمُّه، وإن تعاسَرا فستُرضِعَ له أُخرى، فينبغي عند اختيارِ المُرضعة اختيارُ المرأة العاقلةِ، وذات الأخلاقِ الحسنةِ المُعتدلةِ، والحمقاءُ: هي ضعيفةُ العقل، الأحمقُ: هو ضعيفُ العقلِ الذي لا يُحسنُ التصرفَ، وإنما يُنهى عن ذلك، أو يُرغَّب في عدم ذلكَ لأنَّ الرضاعَ له تأثيرٌ، يعني كأنَّه خشيةً ممَّا يُقال فيه "الأخلاق والصفات الوراثية" يمكن أن ينتقلَ إلى الرضيعِ شيءٌ من خلقِ هذه الحمقاءِ، الله المُستعان.
الرضيعُ يتأثَّرُ بلبنِ مُرضعتِه، أمُّه حتى أمه، إذا كان الأمُّ قد ينتقل إليه بعضُ أخلاقِها كما هو مُشاهَدٌ، لكن الأمُّ ما يمكن، لكن ما دامَ أنَّ المسألةَ مسألةُ استرضاعٍ واجتلابِ مُرضعةٍ فلازم تختار المرأةَ السليمةَ من الأمراضَ الجسدية، ومن الأخلاق النفسيَّةِ السيئة، واللهُ أعلم، اقرأ بعضَ الموضوع الأول.
 
- القارئ: شرحُ الأحاديثِ الثلاثة
- الشيخ: أي، الصنعاني؟
- القارئ: البسَّام
- الشيخ:
ما يُخالِفُ، يمكن أقصر.
- القارئ: قال: ما يؤخذ من الأحاديث:
أولاً: اقتضت حكمةُ الله -تعالى- أنَّ حقَّ المولودِ في الرَّضاعِ هو حولَان كاملان
- الشيخ:
هذا نصُّ القرآن، وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ [البقرة: 233]، وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ [لقمان:14].
- القارئ: فقال تعالى: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ قال الأستاذُ سيد قطب: "والله يفرض -أي: يجعلُ حقًّا- للمولودِ على أمِّه تُرضعُه حولَين كاملَين، لأنَّه –سبحانه- يعلمُ أنَّ هذه الفترةَ هيَ المُثلى
- الشيخ:
شوف: الفترة: يعني المدة، هذا من الخطأِ الشائع، عُلِمَ يا محمد؟
- القارئ: أي نعم، أنا نبَّهْت حتى أني كاتب هنا: لفظُ الفترةِ يُطلق على المدةِ بين رسولَين، على فترةٍ من
- الشيخ:
أيش يقول؟
- القارئ: أقول أنا كتبت تنبيهًا على هذا اللفظِ، واللفظُ الصحيحُ في سياقِ قطب أن يقولَ: المُدَّةُ، أحسن الله إليكم.
- الشيخ: نعم مَشِّ.
- القارئ: لأنَّه -سبحانه- يعلمُ أنَّ هذه الفترةَ هي المُثلى من جميعِ الوجوهِ الصِّحيةِ والنفسيةِ للطفلِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ.
وتُثبتُ البحوثُ الصحيةُ والنفسيةُ اليومَ أنَّ فترةَ عامين ضروريةٌ لنموِّ الطفل نموًّا سليمًا من الوِجهتين: الصحيةِ والنفسيةِ، ولكن نعمةَ الله –تعالى- على الجماعةِ المُسلمةِ لمْ تنتظرْ بهِم حتى يعلَمُوا هذا من تجاربِهم، فاللهُ رحيمٌ بعبادِه، وبخاصةٍ هؤلاءِ الصغارِ الضِّعافِ المُحتاجِينَ للعطفِ والرِّعايةِ".
ثانيًا: الحديثُ: يدلُّ على أنَّه لا يُحرِّم من الرِّضاع إلاَّ ما وصلَ إلى الأمعاءِ ووسَّعها، أما القليلُ الذي لمْ ينفذْ إليها، ويفتقْها، ويُوسِّعْها -فلا يُحرِّم، فكان الرضاعُ في حالِ الصغرِ قبلَ الفِطامِ؛ وهو مذهبُ جمهورِ العلماءِ.
- الشيخ:
فكانَ الرِّضاع المُحرِّم، قال: المحرّم؟
- القارئ: لا لم يقل
- الشيخ: ما يخالف –يعني: المُحرِّمُ-
- القارئ: ثالثاً: ويدلُّ الحديثُ على أنَّ الرِّضاعَ الذي ينشرُ الحرمةَ، وَيَحرُم منه ما يحرمُ من النسبِ -هو الرضاعُ في الحولَين- وهو مُوافقٌ للآيةِ الكريمة: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ.
رابعاً: يدلُّ الحديثُ على أنَّ الرضاعَ المُعتبرَ شرعًا هو ما قوَّى العظمَ، وشدَّه، وأنبتَ اللحمَ، فَكُسِيَ به العظمُ، ولا يكونُ هذا إلاَّ في حالِ الصغرِ.
خامسًا: الأحاديثُ الثلاثةُ مُتفقَةٌ على معنىُ واحدٍ؛ وهوَ أنَّ الرَّضاعَ الذي ينشرُ الحرمةَ هو ما تغذَّى به الجسمُ، واستفادَ منه، وهو ما كان في زمنِ الصِّغرِ، وهو وقتُ الرَّضاعةِ. واللهُ أعلم.
خلافُ العلماءِ:
اختلفَ العلماءُ في الزمنِ المُعتبرِ في التحريمِ: فذهبَ الأئمةُ الثلاثةُ: مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ إلى: أنَّ الرَّضاع المُحرِّمَ هو الواقعُ في الحولَين، فإنْ زادَ عنْهُما -ولو قليلًا جدًّا- لم تثبُتْ به الحُرمةُ.
ويُروى هذا القولُ عن: عمرَ، وعليٍّ، وابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وابنِ مسعود، وأبي هريرةَ، وأزواجِ النبي -صلى الله عليه وسلم- سوى عائشةَ.
وإليه ذهبَ الشعبيُّ، وابنُ شبرمةَ، والأوزاعيُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدُ بن الحسن، وأبو ثورٍ. ودليلُهم على هذا: قولُه -تعالى-: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ، ولمَا في الصَّحيحين عن عائشةَ -رضي الله عنها- أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قالَ: "إنَّما الرَّضاعة من المجاعةِ".
وحديثُ أمِّ سلمةَ؛ أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال:
(لا يُحرِّمُ من الرضاعِ إلاَّ ما فتقَ الأمعاءَ، وكانَ قبلَ الفطامِ). روَاه التِرمذي.
وذهبَ الإمامُ أبو حنيفةَ إلى أنَّ الرضاعةَ المُحرِّمة هي ما كانَت في ثلاثين شهرًا
- الشيخ:
سبحان الله!
- القارئ: لقوله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا
- الشيخ:
حملُه حملُه، حسب مدة الحمل.
- القارئ: ولم يُرِدْ بالحملِ حملَ الأحشاءِ؛ لأنَّه يكونُ سنتَين
- الشيخ: هذا قولٌ يبدو أنَّ فيه شذوذًا، الحملُ -حملُ الجنين- في البطنِ معروف، ما هو على [.....] الأم، تحملُه على كتفِها يعني!
- القارئ: ولم يُرِدْ بالحملِ حملَ الأحشاءِ؛ لأنَّه يكونُ سنتَين، فعُلِمَ أنَّه أرادَ بالحملِ في الفصالِ.
وذهبَ الإمامُ مالكٌ في إحدى الروايتَين عنه إلى أنَّ ما كانَ بعد الحولَين من رضاعٍ بشهرٍ، أو شهرَين، أو ثلاثة -فهو من الحولَين، وما كانَ بعدَ ذلك فهو عَبَثٌ. وقال شيخُ الإسلامِ..
- الشيخ:
وهذا في الحقيقة ما له ضابطٌ، اللي يتجاوزُ الحولَين إذا قالَ واحد: شهر أو شهرين أو ثلاثة، أو قال واحد: طيب أو أربعة يمكن ما في فرق! لا إله إلا الله. اجتهاداتٌ!
 
- القارئ: وقال شيخُ الإسلام: "ثبوتُ المَحرَميَّةِ بالرَّضاعِ إلى الفطامِ، ولو بعدَ الحولَين، أو قبلَهما، فالشارعُ أناطَ الحُكمَ بالفِطامِ
- الشيخ:
لأنَّه بعضُ الأحيانِ الطفلُ ما يستغني عن الرَّضاعةِ ولو تجاوزَ الحولَين، وأحيانًا يستقلُّ في أثناءِ الحولَين، هذا مأخذُ شيخِ الإسلام، أنَّ المعيارَ أو الضابطَ هو الفِطامُ، قبلَ الحولين أو بعدَهما، فالمُعوَّلُ في الرضاعِ المُحرَّمِ هو كما في الأحاديثِ: (ما أنبتَ اللحمَ وأنشزَ العظم)، (وما فتقَ الأمعاءَ وكانَ قبلَ الفطامِ).
 
- القارئ: وقال شيخُ الإسلام: "ثبوتُ المَحرميَّةِ بالرَّضاعِ إلى الفطامِ، ولو بعدَ الحولَين، أو قبلَهما، فالشارعُ أناطَ الحُكمَ بالفِطامِ، سواءٌ أكانَ قبلَ الحولَين، أم بعده". وهذا قولٌ جيِّدٌ له حظٌّ من النَّظرِ.
يعني يُحملُ حديثُ: (لا رضاعَ إلَّا في الحولَين) على الأغلبِ -أحسنَ الله إليكم-؟
- الشيخ: أي، نعم.
- القارئ: قولُ الشيخ هذا يتوجَّه -أحسن الله إليكم-؟
- الشيخ: واللهِ لا شكَّ أنه وجهٌ قوي، لأنه يتفقُ مع حديثِ "أمِّ سلمة" وحديث "ابنِ مسعود".
- القارئ: بابُ النفقاتِ.
- الشيخ:
حسبُك يا أخي، نعم يا محمد.
- طالب: الإرشادُ.
- الشيخ: نعم؟ الإرشاد يا علي، نعم.
- طالب: أحسنَ الله إليكم، الشيخُ ابنُ عاشور في الأسماءِ والصفاتِ على مذهبِ "الأشاعرة"؟
- الشيخ: والله يبدو، يعني ما تتبَّعْتُ لكن هذا هو، لا إله إلا الله، اللهُ أعلم، سبحانَ الله! مذهبُ الأشاعرة هو الشائعُ في قطاعاتِ التعليم في العالمِ الإسلامي، تعرفُ أنَّ مذهبَ السلف قبلَ شيخِ الإسلام كان يكادُ أن يكونَ يعني خفيًا ومهجورًا من الأكثرين، لكن شيخَ الإسلام -بتوفيقٍ من الله- نصرَه وأظهرَه وأقامَ الأدلة عليه ودفعَ عنه الشُّبهات، وهو الذي تشهدُ به الفطرُ والعقولُ ولله الحمد.
وإذا قُلنا به فلسْنا مُقلِّدِين لشيخِ الإسلام، لا، لكن نُدرك أنَّ ما قرَّره ودلَّل عليه وبيَّنَه نُدرِكُ وللهِ الحمد أنَّ هذا هو الذي تدلُّ عليه الفِطَرُ والعقولُ والشواهدُ النقليةُ والآثارُ عن السلفِ. الحمدُ لله، أمرٌ جليٌّ واضح.
- طالب: [.....] السلف في الرد عليه الجهمية -أحسن الله إليكم-؟
- الشيخ: لا قبل قبل. على الصحابة -رضي الله عنهم-.