بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ
شرح "بلوغ المرام مِن أدلّة الأحكام" (كتاب الطّلاق)
الدّرس الثّالث والعشرون

***    ***    ***    *** 
 
- القارئ: بسمِ الله الرحمنِ الرحيمِ، الحمدُ للهِ ربِّ العالَمين، وصلَّى الله وسلَّمَ وباركَ على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلِه وصحبِه أجمعين. قالَ الحافظُ ابنُ حجرٍ –رحمه الله تعالى- في "بلوغِ المرامِ" في آخر بابِ الحضانةِ:
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (إذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
- الشيخ: سبحان الله! ذِكْرُ هذا الحديثِ في بابِ الحضانةِ، عجيب! هذا كأنَّه أخَصُّ ببابِ النفقةِ!
(إذَا أَتَى أَحَدَكُمْ) أَحَدَ: مفعولٌ بِه مُقدَّم، (خَادِمُهُ): فاعل. (إذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ). وهذا يختلفُ باختلافِ الأحوالِ مِن حيثُ اليَسَارِ وقِلَّةِ ذات اليدِ، وطبائعِ الناسِ.
والطعامُ شاملٌ، في [هناك] طعام يكون مطبوخ ولّا خبز مثلاً، الطعامُ شاملٌ، يمكن يصير خبز فيُعطيه قطعة خبزٍ، يمكن يصير شيء آخر مطبوخ من نحو: الطبيخ الجريش الرُّز، ممكن يناولُه، منه (لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ) إمّا بيدِه أو بملعقةٍ مثلاً، فهذا كما قلتُ: يختلفُ باختلافِ الأحوالِ.
وخادمُهُ -الأصل والغالبُ- أنه يكون مِن نوعِ الرقيقِ، وقد يكونُ خادِمُه أجيراً. ذكر في المناسبة بشيء؟
- القارئ: إي بعد الحديث الآخر (عُذِّبَتِ امرأةٌ في هِرَّةٍ)
- الشيخ: لا، لا، أعني مناسبةُ الحديثِ.
- القارئ: سيذكرُها الآن.
- الشيخ: تكلَّمُوا عنه؟
- القارئ: ما تكلَّم الصنعاني ولا البسام، لكن الشيخ صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله- قال، طبعاً هو ذكر المناسبةَ بعدَ الحديثِ الذي بعدَ هذا (عُذِّبت امرأةٌ في هِرَّةٍ) هذا الحديثُ الأخيرُ في بابِ الحضانةِ.
قال الشيخُ: إنَّما أوردَ المُصنِّفُ هذا الحديثَ والذي قبلَهُ في هذا البابِ للتنبيهِ على عِظَمِ مسؤوليةِ الـمُتَكفِّل والحَاضنِ، وأنَّ تَعَهُّدَ المكفولِ بما يحتاجُ إليهِ ومُلَاطَفَتَهِ والإحسانَ إليهِ مِن واجباتِ الكفيلِ وآدابِهِ، وأنَّ إهمالَهُ وإضاعتَهُ كبيرةٌ عندَ اللهِ يُؤَاخَذُ بها ويُعَذَّبُ لأجلِها.
- الشيخ: هذا يمكن كأنَّ هذا يناسِبُ في حديثَ الهِرَّةِ، ولكن في الحقيقةِ دقيقة، يعني ما هو بواضحٍ (كَفَى بالمرءِ إِثمًا) الحديث الـمُتَقَدِّم (كَفَى بالمرءِ إثمًا أنْ يُضِيعَ مَنْ يَقوتُ) تجدُ الدَّلالةَ مناسبةً لما تقدَّم، ولو جاءَ بعدَه حديثُ الهِرَّةِ كانَتْ مناسبتُهُ ظاهرةً، وما ذكرَه هذا يعني مُحاولة. يعني البسام والصنعاني كلُّهم ما عرَّجوا عليه؟
- القارئ: لا، ما عرجوا، أحسنَ الله إليك.
- الشيخ: عجيبة! طيّب قل.
 
- القارئ: وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ، سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ، فَدَخَلَتْ النَّارَ فِيهَا، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إذْ هِيَ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
- الشيخ: الله أكبر، الله أكبر، في هذا الحديثِ وعيدٌ شديدٌ على مَنْ يُعَذِّبُ الحيوانَ، فكيفَ بتعذيبِ الإنسانِ بغيرِ حَقٍّ؟ سواءً كانَ الحيوانُ مملوكاً للإنسانِ -كما تقدَّمَ- أو غيرَ مملوكٍ.
ومِن صورِ التعذيبِ: التجويعُ، مِن صورِ التعذيبِ: التجويعُ، يمكن التجويع يَنتهي بالموتِ، ولو فُعِلَ هذا بإنسانٍ عمداً وجبَ القصاص، كما سيأتي في الجنايات، سبحان الله!
فالرسول يُخبِرُ عَن امرأةٍ فيمَنْ كانَ قبلَنا بأنَّها عُذِّبت وأُدخلَت النارَ، دخلَتِ النارَ امرأةٌ في هِرَّةٍ، ويقولُ أهلُ اللغةِ: "في" سَبَبِيَّةٌ، (دخلَ رجلٌ.. -كما في حديثِ الذُّبابِ- (دخلَ النارَ رجلٌ في ذبابٍ، ودخلَ الجنةَ رجلٌ في ذبابٍ)، "في" سببيةِ.
يقولُ -عليه الصلاة والسلام-: (حَبَسَتْهَا، لا هِيَ أطعَمَتْهَا وسَقَتْها) هذا يدلُّ أنه يجوزُ لو الإنسانِ أنه اقْتَنى هِرَّةً أو نحوَها، حيواناً، أو طيراً، ولكنه قامَ بما يحتاجُ إليهِ، فلا بأسَ، لو اقتنى الإنسانُ هِرَّةً ولم يتركها، وضعَها في مكانٍ، ولكنه قامَ بحقِّها طعاماً وشراباً (لا هِيَ أطعَمَتْهَا وسَقَتْها) هي تحتاجُ إلى الطعامِ والشرابِ، (وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا) تعيشُ كعادتِها (تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ) وتعيشُ ما عليها منها.
ولكن معَ هذا يُنصَحُ بعدمِ اقتناءِ الحيواناتِ وحَبْسِهَا، ولو مَعَ القيامِ...؛ لأنَّه مما يحدثُ أنَّ الإنسانَ يَقتني الحيوانَ والطائرَ ويضعَه في مكانٍ لا يستطيعُ الخروجَ منه كالقَفصِ مثلاً، كثيراً ما يَحدثُ النسيانُ فيَنسى الحيوانَ أو يَغيبُ يُسافِرُ ويتركُهُ فيموتُ، هذا يُخشى أنْ يُعاقَبَ؛ لأنَّه مُتَسَبِّبٌ، يحتاجُ إلى انتباه، يحتاجُ إلى الاهتمامِ والتواصي بهذا.
وفيهِ دَلالة على أنَّ دينَ الإسلامِ دينُ الرحمةِ ودينُ الإحسان، لا يجوزُ تعذيبُ الحيوانِ، وجاء في الحديث: (لَعَنَ اللهُ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا) رواهُ ابنُ عمر لـمَّا رأى أناساً وضعُوا لهمْ حيواناً وصاروا يَسْتَهدِفُونَهُ يَرمونَ عليهِ.
- القارئ: حديثُ أبي هريرة: (إذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ) إذا كانَ الآن كثيرٌ مِن الناسِ يتساهل في الخادمةِ أنَّها تُقدِّمُ الأكلَ
- الشيخ: تُقدِّم أيش؟
- القارئ: الخادمة الشغَّالات أحسنَ الله إليك.
- الشيخ: تختلفُ الأحوالُ أحياناً الخادمةُ هي التي تطبخُ وتزيّنُ وهي التي تجلبُ الطعامَ، وعندَ الناسِ الطيبين العاديين تأكلُ كما تشاءُ، الثلاجةُ موجودةٌ، وفيها ما تريدُ يتركونها.
الشيء اللي يُلاحظ أنهم -بعضُ الناسِ- ما يُحبُّ أنَّها تأكلُ معَه، هذا أمرُه سهلٌ، قد يكون.، وبعضُهم يتعلّل يقول: قد تكون هِيَ لا ترغبُ؛ لأنَّها إذا صارت تأكل مُستقلةً تأكلُ على راحتِها.
 
- القارئ: ومخالطتُها -أحسنَ الله إليك-
الصنعاني قالَ رحمه الله: والمرادُ إذا كانَ الخادمُ حُرَّاً -في الحديثِ- قال: وإنْ كانَ أنثى والمخدومُ ذكراً فلا بدَّ أنْ يكونَ مُحَرَّمَاً.
مخالطةُ الخادماتِ للرجالِ؟
- الشيخ: لا، لا، هذا غلط. هذا مِن البلاءِ الذي دخلَ على الناسِ، لا تحتشمُ ويخلو بها، يعني لا يُبالي يروح للمطبخ وهي فيه، ولهذا تسمعونَ بأخبارٍ سيئةٍ فاحشةٍ، التَّحَرُّشِ الذي يُسمُّونَه: التَّحَرُّشُ، التَّحَرُّشُ بالخادماتِ، حدثَ حوادثُ فظيعةٌ، فَكَثرَةُ الخَدَمِ مِن هذا النُّوعِ سَبَبُ شَرًّا على الناسِ في دينِهم.
- طالب: وقد تكونُ كافرةً يا شيخ، الخادمةُ قد تكونُ كافرةً.
- الشيخ: إي شيء آخر، كُفرُهَا عليها، لكن الشأنُ في التعرُّضِ لها بفعلِ الحرامِ معَها بالزنا، نعم بعده يا شيخ
- طالب: النظرُ إليها بدونِ تعمُّدٍ وهي كافرةٌ، تُقدِّمُ طعاماً، تُقدِّمُ شيء، تُقدِّمُ خدمة.
- الشيخ: لا تنظرْ، غُضَّ بصرَكَ، واؤْمُرْها بالحجابِ.
- طالب: الأمرُ للوجوبِ؟
- الشيخ: أيش؟
- طالب: الأمرُ بإطعامِ الخادمِ للوجوبِ؟
- الشيخ: إي، يجب أنك تطعمَه، عجل ما هو بالوجوب! لا، ما أقصد مناولتُه كذا، هذا قلتُ لكَ: أنه يختلفُ أحياناً ما يحتاجُ أنك تناولُه الطعام عنده هو جايب الطعام، والطعامُ في الإناءِ -في القدْرِ مثلاً- عنده الطعامُ ما يحتاجُ تناولَه، إذا كانَ شيئاً مَا في غيرِه جابَ طعام وخلص، ما في غيره، هذا اللي ممكن يتعلَّق...