بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ

باب الاستنجاء:
لقد راعى الفقهاء -في ترتيب هذه الأبواب- أحوال الإنسان، فالغالب أن الإنسان يحتاج -قبل الوضوء- إلى أن يقضي حاجته، البول أو الغائط، فعقدوا هذا الباب بعد بيان أحكام المياه، وأحكام الآنية، أتبعوهما بأحكام الاستنجاء.
وتتنوع عبارات المصنفين في ترجمة هذا الباب: بعضهم يقول باب الاستطابة، باب الاستنجاء، باب آداب قضاء الحاجة.
والاستنجاء معناه في اللغة: القطع، مأخوذ من "النجو"، بمعنى: القطع، نجوت الشجرة: قطعتها.
والمراد: إزالة الخارج من السبيلين، أو إزالة النجو، الذي هو الغائط، فيطلق الغائط على ما يخرج من الدبر، كذلك النجو، تسمية للشيء باسم المكان الذي يقصد له، {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ}(النساء:43) يعني الغائط المكان المنخفض المطمئن.
وإزالة الخارج من السبيلين، أو الاستنجاء، سواء أكان بالماء، وبالأحجار، ونحوه، فهي طهارة كاملة، بعضهم يقول: الاستنجاء هو إزالة الخارج من السبيلين بالماء، أو إزالة حكمه بالأحجار، ونحوها، قالوا: لأن الأحجار لا تزيل النجاسة، إزالة كلية، بل يبقى لها أثر، ولكن هذا الأثر لا أثر له، فهو في حكم الزائد، فلا فرق، فطهارة الاستنجاء بالماء، والاستنجاء بالأحجار، طهارة كاملة.
ولهذا قالوا: يعفى عن أثر الاستجمار بمحله، كما سيأتي.
وأحكام هذا الباب: مما يستدل به على كمال الشريعة، فالشريعة التي تضمنت آداب قضاء الحاجة، هذا يدل على كمالها، وأنها لم تترك شيئاً، فهي شاملة بكل الآداب، في جميع الأحوال، ولهذا قال يهودي لسلمان -رضي الله عنه-: "علمكم نبيكم كل شيء، حتى الخراءة"، قال: "أجل، نهانا رسول -الله صلى الله عليه وسلم-: (أنْ نستقبلَ القبلةَ، بغائطٍ أو بولٍ، أو نستنجيَ بيمينٍ، أو نستنجيَ بأقلَّ من ثلاثةِ أحجارٍ، أو أنْ نستنجيَ برجيعٍ، أو بعظمٍ).
فإذا كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد بيّن لأمته أحكام وآداب قضاء الحاجة، فلأن يبين ما هو أهم من ذلك، من باب أولى، وأعظم ما بينه: ما يتعلق بمعرفة الله، بأسمائه، وصفاته، وما يجب له، ويجوز عليه، ويمتنع عنه، كما نبّه على ذلك، وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، في مطلع "الحموية" ردّاً على الذين يقولون أن الرسول لم يبين الحق، في باب الأسماء والصفات، في باب معرفة الله.
ويذكر الفقهاء في هذا الباب أنواعاً، ذكروا: ما يستحب، بل وما يجب، وما يكره، وما يباح، فالمصنف ذكر هذه الأحكام، ويأتي الكلام عليها، بحسب ذكر المؤلف لها، فبدء بذكر المستحبات.
يقول: (يُستحبُّ لِمن دخلّ الخلاء)، يعني: إذا أراد دخول الخلاء؛ كما ثبت في الصحيحين، عن أنس -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا دخل الخلاء، يقول: (أعوذُ بكَ مِن الخُبُثِ والخبائثِ)، وبعضهم يرويها: (الخبْث) بإسكان الباء، يحتمل أنّ "الخبْث والخُبُث" معناهما واحد، فيكون المراد: ذكران الشياطين وإناثهم، فإن جمع خبيث: "الخُبْث"، بسكون الوسط، وبضم الحرف الأول، مثل:كُتْب وكُتُب، صُحْف وصُحُف، وهذا أصح ما ورد من الذكر، عند دخول الخلاء.
ووردت أذكار، لكن لم تثبت، جاءت في أحاديث، مثل التسمية: (بسم الله)، ورد في بعض الروايات، في غير الصحيح، وهذا التعوذ مناسب؛ لأن محل الخلاء، وحال التخلي، حال تألفها النفوس، والأرواح الخبيثة، فناسب التحصن بالله، والتدرع به، عن ملابسة الشياطين، وتسلطهم: (أعوذُ باللهِ مِن الخُبُثِ والخبائثِ)، وإذا خرج، قال: (غفرانك)، وهذا هو أصح –أيضًا- ما ورد من الذكر، عند الخروج من الخلاء.
 لكن متى يقول الذكر الأول والذكر الثاني؟ إذا أراد أن يدخل، ذكر الدخول عند إرادته، وذكر الخروج بعد خروجه، كما جاء عند أبي داوود، عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا خرج من الغائط، قال: (غفرانك)، "غفران" مفعول به منصوب، لفعل محذوف تقديره: أسألك غفرانك.
ومناسبة سؤال المغفرة، بعد قضاء الحاجة؛ لأن الذي فرغ من حاجته، قد شعر بتخلصه من الأذى والخبث، الذي يثقل بدنه، فناسب أن يسأل ربه: أن يخلصه من الذنوب التي تثقل القلب، لتتم له النعمتان: زوال الخبث الحسي من جسده، وتخلصه منه، وزوال الخبث المعنوي بمغفرة الذنوب.
ووردت أذكار وأدعية سوى هذا، ولكنها لم تثبت، منها في أحاديث ضعيفة مثل: (الحمدُ للهِ الذي أذهبَ عني الأذى وعافاني)، فلو قاله الإنسان -تذكرًا لنعمة الله- فلا بأس، لكن من غير أن يعتقد أن هذا سنة.
فالإنسان إذا أنعم الله عليه نعمة، يقول: "الحمد لله"، فلا ريب أن من قضى حاجته، وتخلص من الخبث الذي في بدنه، يجد راحة، فيقول: (الحمدُ للهِ الذي أذهبَ عنّي الأذى وعافاني)، لكن المستحب -بلا شك- أن يقول: "غفرانك"، هذا هو المستحب، لوروده وثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم.

 (يُستحبُّ عند دخولِ الخلاءِ قولُ: "بسمِ اللهِ"، أعوذُ باللهِ مِن الخُبثِ والخبائثِ. وعندَ الخروجِ منهُ: "غفرانكَ، الحمدُ للهِ الذي أذهبَ عني الأذى وعافاني". وتقديمُ رجلهِ اليسرى دخولاً، واليمنى خروجاً، عكس: مسجدٍ ونعلٍ)
ويستحب كذلك تقديم رجله اليسرى دخولًا، واليمنى خروجًا، ومناسبة هذا ظاهر؛ فإن لليمنى التكريم، واليسرى بخلاف ذلك، قال: (عكسَ مسجدٍ ونعل)، فالمسجد يستحب فيه -لدخوله- تقديم اليمين، واليسرى للخروج.
وكذلك في الانتعال، يستحب تقديم اليمنى، كما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان (يُعجِبُه التيَمُّنُ في تَنَعُّلِه)، يعني في لبسه لنعله، وكذلك ثبت في الصحيحين، أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: (إذا انتعلَ أحدُكم: فليبدأ بيمينه)؛ لأن الانتعال زينة، فاليمين أحق، وإذا خلع فليبدأ بالشمال؛ ولهذا قالوا: يستحب تقديم اليمنى دخولًا، واليسرى خروجًا، عكس مسجد ونعل.

(واعتمادُه على رجلهِ اليسرى)
وكذلك يستحب -يقول-: اعتماده على رجله اليسرى، يعني حال قضاء الحاجة، وهو قاعد يكون اتكاءه على رجله اليسرى، ويعتمد عليها، وينصب اليمنى.
جاء في حديث، ولكنه ضعيف، فلا يكون سنة، فيجلس الإنسان بحسب ما يناسب حاله، وحال الإنسان يختلف، يمكن يجلس على قدمه، ويميل ببدنه على رجله اليسرى، لكن ليس في هذا سنة ثابتة، "يعتمد على رجله اليسرى، وينصب اليمنى"، وصفها بعضهم: أنه يضع قدمه، وينصب ساقه اليسرى، وينصب اليمنى، ويجعل القدم، يعتمد على أطراف أصابعه.
لكن -كما قلنا- ليس في هذا سنة ثابتة، بل يجلس الإنسان بحسب ما يناسبه، وبعضهم يقول: إن لهذا فائدة، وهو اعتماده على رجله اليسرى، أسهل في خروج الأذى، في خروج الغائط، لكن هذا -إن صح طبيًا- عمل به، لهذا المعنى.

(وبُعْدُهُ في فضاءٍ، واستتارُهُ، وارتيادُهُ لبولهِ مكاناً رُخواً)
وكذلك من المستحبات -في حال قضاء الحاجة-: "بُعْدُهُ"، بحيث لا يرى شخصه، "واستتارُهُ"، جاء في الحديث الصحيح، عن المغيرة بن شعبة، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- انطلق لقضاء حاجته، قال: حتى توارى عني.
"واستتارُهُ"، أما ستر العورة عن العيون، فهذا واجب، يجب ستر العورة عن الأبصار، لكن إذا لم يكن بحضرة أحد، فالاستتار مستحب، يستحب ستر عورته، وإن لم يكن بحضرته أحد، كما جاء عند أبي داوود: (من أتى الغائطَ فليستتر، فإن لم يجد إلَّا أن يجمعَ كثيبًا من رملٍ فليستدبرهُ، فإنَّ الشَّيطانَ يلعبُ بمقاعدِ بني آدمَ، من فعلَ فقد أحسنَ ومن لا فلا حرجَ)، وذلك إذا لم يكن هناك من ينظر.
"وارتيادُهُ لبوله مكاناً رخواً"، يعني: تحريه المكان الرخو، ارتياد التحري، والتماس المكان المناسب، والمراد من أن يرتاد لبوله مكاناً رخواً، وذلك آمن من أن يصيبه من رشاش البول، فالبول على المكان الصلب يؤدي إلى انتشار البول، وتفرقه، مما يؤدي إلى تلويث بدن الإنسان، أو ثيابه، وهذا مجرب، ومحسوس، قد جاء في هذا حديث: (إذا بالَ أحدكم فليرتد لبولهِ)، وفائدة هذا ظاهرة.

(ومسحُهُ بيدهِ اليسرى إذا فَرَغَ مِن بولهِ، من أصلِ ذكرهِ إلى رأسهِ ثلاثاً، ونترُهُ ثلاثاً)
يقول: يستحب –كذلك- مسح ذكره، إذا فرغ من البول، أن يمسح ذكره، من أصله، من تحت أصل ذكره، من تحت الأنثيين، إلى رأسه، يمسحه بيده؛ لاستخراج ما بقي في مجرى البول، أو في القصب، ثلاثاً، من أجل الاستبراء من البول، ومن أجل التخلص من البول.
وهذا لا أصل له، فلا يستحب، وإذا فعله الإنسان، وحس أنه بحاجة إلى ذلك، وفعله -أحيانًا- أما أن يكون ذلك سنة، وديدناً، و"ثلاث مرات" فهذا لم تثبت فيه سنة، وليس فيه مصلحة، بل فيه ضرر، لأن هذا يؤدي إلى استمرار البول، وعدم الانقطاع، ويؤدي إلى السلس، فلا يستحب.
وكذلك "النتر"، وهذا يروى في حديث ضعيف: (إذا بالَ أحدكم فلينترْ ذكرَهُ ثلاثاً)، وفسروا "النتر": بدفع البول من الداخل، وهذا الدفع يفعله الإنسان تلقائياً، مرة، ومرتين، وثلاثة، لكن ليس في هذا سنة، فهذا طبيعي، فالإنسان يضغط على المثانة من الداخل، يضغط بجوفه، يتعصر، فيخرج، فلا يتكلف، هذا ربما يؤدي إلى الوسواس، بل يكون طبيعيًا إذا انقطع البول، في الصحيح أنه لا يستحب لا السلت، ولا النتر.

 (وتحوّلُهُ من موضعه ليستنجيَ إنْ خافَ تلوّثاً)
يستحب، وهذا الاستحباب من المصلحة، فلا يوجد دليل منقول بالأمر، أو بالإرشاد بالتحول، وهذا التحول عن موضعه إن خاف تلوثًا، أما في دورات المياه الآن، فالأذى بعيد عنه؛ ولهذا قال: "إن خاف تلوثا".
وهذا يحصل فيما إذا قضى الإنسان حاجته في الصحراء، فإنه لا يأمن إذا استنجى -وهو على مكانه- أن تتلوث يده بالنجاسة، التي على الأرض، فيتحول ليأمن ذلك، ولهذا قال: "وتحوله من موضعه إن خاف تلوثا"، يقول: مستحب.
هذا الاستحباب –نقول-: هو حسن، إذا دعت إليه الحاجة، وليس هو بسنة، فإذا لم يخف تلوثًا فلا مانع.

(ويُكرهُ: دخولُهُ بشيءٍ فيهِ ذكرُ اللهِ تعالى، إلّا لحاجةٍ)
الآن: انتهى ما ذكره المؤلف، مما يستحب لقضاء الحاجة، ثم يذكر المكروهات.
ويروى في ذلك حديث، أن النبي -عليه الصلاة والسلام- إذا دخل الخلاء، وضع خاتمه، وضعه بمعنى: خلعه، وأبعده، وضعه عن يده، ولكن الحديث يقول فيه الحافظ ابن حجر، أنه معلول، وأن الصواب في رواية الحديث: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- اتخذ خاتماً من ورق، هذا هو الثابت، أما هذا اللفظ ففيه علة، والسبب على تقدير صحة الحديث، أن خاتم الرسول فيه ذكر الله؛ لأن خاتمه مكتوب فيه: محمد رسول الله، محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر.
وذكر الله أنواع، منها: ما فيه ذكر الله تبعاً، مثل ذكر الله في الاسم: عبد الله، عبد الرحمن، عبد العزيز.. فذكر "اسم الله تبعاً" ليس من الذكر، فالإنسان إذا نطق: "عبد الرحمن" هل يكون ذاكراً لله، هل هذا من الذكر!؟، ليس هذا من الذكر، فالذكر أن تقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، هذا هو ذكر الله.
فهذا إذ لم يصح الحديث، لا يكره، ولأنه من الحرج، ولأن كثيرًا من الناس من يكون فيه مثل هذا، لا يكاد يخلوا الإنسان فيه شيء من هذا النوع.
وهناك ما فيه ذكر فعلاً، ككتاب فيه أذكار، أو ورقة فيها ذكر، فالذي يظهر: إذا كانت مطوية، فلا كراهة في دخولها؛ لأنها مخفية، وليس وجودها في جيب الإنسان مطمورة، مخفية، ما يتضمن الامتهان، أما المصحف: فنص العلماء على تحريم دخول الخلاء به، لا يجوز دخول الخلاء بالمصحف، فيه كلام الله، وفيه أفضل الذكر، وفيه ذكر الله، لكن قال الفقهاء: إلا أن يكون –مثلًا- يخشى عليه من السرقة، لو وضعه سُرق، فيكون الدخول به ضرورة.

(ورفعُ ثوبهِ قبلَ دُنوّهِ مِن الأرضِ، وكلامُه فيهِ)
ويكره: رفع ثوبه قبل دنوه من الأرض، الأصل وجوب، أو استحباب، ستر العورة، ولو لم يكن هناك من ينظر، هذا هو الأصل، فينبغي الاقتصار في كشف العورة، على قدر الحاجة، فلا يرفع ثوبه وهو قائم، بل إذا دنا من الأرض رفع ثوبه، ليقتصر في ظهور عورته على قدر الحاجة.
"فيكره رفع ثوبه قبل دنوه من الأرض": معناه أنه يستحب ألا يرفع ثوبه، إلا إذا دنا من الأرض، ويكره أن يرفع ثوبه قبل دنوه من الأرض، لئلا يظهر عورته، ويبدي عورته قبل حاجته إلى ذلك.
"وكلامُهُ فيه"، ويكره كلامه فيه، يعني كلامه في الخلاء، أما تكلمه بالذكر، فلا ريب أنه يكره، أما الكلام العادي فتركه أولى، إلا لحاجة، ومن القواعد المشهورة عند الفقهاء: "أن الكراهة تزول عند الحاجة"، فإذا احتاج المتخلي إلى الكلام، فلا كراهة.
وأما حديث: (لا يخرج الرجلانِ يضربانِ الغائطَ كاشفَيْنِ عن عورتِهِما يتحدَّثَانِ، فإنَّ اللهَ تعالى يمقُتُ على ذلك)، فهذا الحديث –أولًا- معلول، والثاني: جمع أمورًا زائدة عن مجرد الكلام، يعني الصورة هي: أنهما يجلسان على حاجتهما، كاشفين عورتهما، وكأنه ينظر بعضهما إلى بعض، ويحدث بعضهما بعضًا، ولا شك أنها صورة قبيحة، فقد تضمنت ما هو حرام، بالاتفاق.
إذًا؛ أحدهما ينظر إلى الآخر، كاشفين عورتهما، يتحدثان، فلا يصح الاستدلال بهذا الحديث على تحريم مطلق الكلام، فإن هذه الصورة قد جمعت أمورًا متعددة، فالكلام أنواع.
وأما إذا الإنسان تحول من مكانه، وقضى حاجته، وأصبح يتوضأ، أو يستنجي، فلا يكره الكلام حينئذ؛ لأنه في هذه الحال ليس هو في حال التخلي، وفي حال قضاء الحاجة.
ولكن -في الحقيقة- حال الاستنجاء قريبة من حال التغوط، والتبول، وأمر البول في هذا المقام أيسر، يعني أكثر هذه الأحكام تتعلق بالتخلي، بالتغوط، إذا دخل الخلاء، أما البول فأمره أيسر، لا من حيث البعد، فإن النبي -عليه الصلاة والسلام- انتهى إلى سباطة قوم، فبال قائما، وكان حذيفة خلفه، حتى قال لحذيفة: (ادنُ)، حتى صار عند عقبه، مما يدل على أن هذه الأحكام غالبها يختص بالتغوط، لا بالبول، فالبول أمره أيسر.

(وبولُهُ في شقٍّ ونحوِهِ)
كذلك يكره البول في الشق؛ لأنه مظنة أن يؤذي، أو يُؤذى، وقد جاء أن هذه الشق، أو الجحور التي تكون فيها الحشرات، يكره البول فيها؛ لأنه إما أن يؤذي من فيها، قد يكون فيها من الجن، وإما أن يُؤذى، فيخرج عليه ما يؤذيه، فيكره أن يبول فيها، وأرض الله واسعة.
(ومسُّ فرجهِ بيمينهِ)
وكذلك قالوا: يُكره مسُّ فرجه بيمينه، لكن الذي جاء في الصحيح، في حديث أبي قتادة، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا يمسنَّ أحدكم ذكرهُ بيمينهِ وهو يبولُ، ولا يتمسحُ من الخلاءِ بيمينه)، فالنهي مقيد بحال البول، فالمصنف أطلق، وأنه يكره أن يمس –المتخلي- ذكره بيمينه مطلقاً، سواء أكان وهو يبول، أو لم يكن كذلك، والحديث مقيد.
فينبغي الاقتصار على ما ورد فيه الدليل، فيقال: يُكره، أو يحرم أن يمسَّ الإنسانُ ذكرَه بيمينه، وهو يبول، وإذا احتاج لِمسِّه، فليمسَّه بيده اليسرى، فاليسرى هي المناسبة لذلك.

(واستنجاؤهُ واستجمارُهُ بها)
قوله: "استنجاؤه" يعني بالماء، "واستجماره" يعني بالأحجار، "بها" يعني بيمينه، وهذا صريح في أنه لا يحرم الاستنجاء باليمين، ولكن يكره، وفي الحقيقة أن التحريم هو الصواب، كيف يستنجي بيمينه التي يأكل بها ويشرب بها، ثم يستعملها ليزيل الأذى بيمينه! فالصواب هو التحريم، كما هو الأصل، الأصل في النهي: التحريم.

 (واستقبالُ النَّيّرين)
واستقبال النيرين: يعني الشمس والقمر، فيكره أن يستقبل الشمس أو يستقبل القمر، الشمس في النهار، والقمر في الليل، وهذا لا أصل له، ولم يثبت فيه شيء، وعللوهما بأنهما من نور الله، أن نور الشمس والقمر من نور الله، الذي خلقه من نور الله المخلوق، لا من نور الله الذي هو صفة له.
ولكن لا أصل لهذا، بل الدليل على خلاف هذا، فإنه -عليه الصلاة والسلام- قد قال عندما نهى عن استقبال القبلة، واستدبارها، قال: (ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا)، فقوله: شرِّقوا أو غرِّبوا، وذلك بالنسبة للمدينة، يتضمن استقبال الشمس والقمر، فالصواب أنه لا يكره.

(ويحرمُ: استقبالُ القبلةِ، واستدبارُها، في غير بنيانٍ، ولبثُهُ فوقَ حاجته، وبولُهُ في طريقٍ، وظلٍّ نافعٍ، وتحتَ شجرةٍ عليها ثمرةٌ)
هنا يبدأ بذكر المحرمات، بعد ذكر المكروهات، وفيما تقدم من المكروهات، منها: ما لا يكره، ومنها ما يحرم، الصواب فيه التحريم، وهنا يقول: "يحرم استقبال القبلة واستدبارها"، يعني حال قضاء الحاجة، في غير البنيان.
وقد ثبت في الصحيحين، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إذا أتيتم الغائطَ، فلا تستقبِلوا القِبلةَ ولا تستدبِروها، ببوْلٍ ولا غائطٍ، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا).
وقد اختلف العلماء في ذلك، اختلافا كثيرًا، وأهم هذا الخلاف قولان:
أحدهما -وهو قول الجمهور-: أنه يحرم، إلا في البنيان، فيجوز الاستقبال والاستدبار، في البنيان من داخل.
والقول الثاني: أنه يحرم مطلقًا، وقال بعضهم: يجوز مطلقًا، وبعضهم قال: يجوز الاستدبار دون الاستقبال.
وعمدة الجمهور في قولهم، باستثناء البنيان، حديث ابن عمر، أيضًا في الصحيح، قال: (ارتقيتُ فوق بيتِ حفصةَ، فرأيتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقضي حاجتَهُ، مستدبرَ القِبْلَةِ، مستقبلَ الشامِ).
وجاء عند أبي داوود، وغيره، عن جابر -رضي الله عنه- قال: (نهى نبيُّ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أن نستقبلَ القبلةَ ببولٍ، فرأيتُه قبل أن يُقبضَ بعامٍ يستقبُلُها).
الحديث الأول استدلوا به على تخصيص البنيان، والثاني استدل به من رخص الاستقبال، دون الاستدبار، بل ربما استدلوا به على النسخ، وكلها أقاويل لا تتجه، فإنه -عليه الصلاة والسلام- إنما فعل ذلك في حالٍ، هو لا يُرى فيها، فابن عمر وقع نظره على النبي -صلى الله عليه وسلم- من غير قصد، والنبي في جلوسه ذلك لم يقصد التشريع والبيان للأمة؛ لأنه في مكان الأصل أنه لا يراه فيه أحد.
ولهذا اختار شيخ الإسلام، وابن القيم، القول بالتحريم مطلقاً، وما فعله -عليه الصلاة والسلام- لم يفعله تشريعاً لأمته، فيكون ذلك من خصائصه -عليه الصلاة والسلام-.
قلنا: أهم ما في هذا الخلاف قولان، أحدهما -وهو قول الجمهور- وهو: تحريم استقبال القبلة، واستدبارها، في غير البنيان، ويجوز في البنيان، والمتأمل يرى أنه لا فرق بين الصحراء والبنيان، فالقبلة هي الكعبة، والكعبة بينك وبينها حجب كثيرة.
ومن خص البنيان، قالوا: وكذلك إذا قضى حاجته إلى ما يستره من القبلة، من جدار، ونحوه، فحكمه حكم البنيان، وإنما المحرم أن يكون في مكان مفتوح في الصحراء، ليس بينه وبين القبلة ما يستره.
وقوله: (ولبثُهُ فوقَ حاجته)، يعني: يبقى جالساً فوق حاجته، كاشفاً لعورته، من غير حاجة، يعني فرغ من حاجته، وبقي، ولبث؛ لأن هذا يتضمن كشف عورته، من غير حاجة، هذا هو وجهه.

(وبولُهُ في طريقٍ، وظلٍّ نافعٍ، وتحتَ شجرةٍ عليها ثمرةٌ)
ومما يحرم: بوله، وأعظم من البول: التغوط، وهو الذي جاء فيه الحديث، في الطريق، يقول: يحرم بوله في الطريق، (وظلٍّ نافعٍ)، أي: ظلٍ يُنتفع به، ويُستظل به، بخلاف الظل الذي ليس حوله، ولا عنده، من يستظل به، كالشجر الذي في الصحراء.
وجاء في صحيح مسلم، وغيره: (اتقوا اللاعنيْن، الذي يتخلَّى في طريقِ الناسِ، أو ظلّهم)، لاحظ: "طريق الناس"، يعني: الطريق المسلوك، و"ظلهم" يعني: ظلهم الذي يستظلون به.
أما طريق ليس له سالك، وظل ليس هناك من يستظل به، فحكمه حكم غيره، وهذا يدل على غلظ تحريم هذا الفعل؛ لما فيه من أذى من يسلك الطريق، أو يقصد هذا الظل، فإما أن يصيبه، وإما أن يعرّض من يحتاج لهذا الطريق، أو يحتاج إلى هذا الظل، يعرّضه للتلوث بالنجاسة، أو يحرمه من الانتفاع، فينفرّه.
فمثلاً: تأتي إلى شجرة، تكون قريبة، ومما يعتاد الناس قصدها للاستظلال، فتجد قد لوث المكان، فتتركه، فالتخلي في الطريق، أو في الظل، إما أن يعرّض الجالس للتلطخ بالنجاسة، أو ينفره من أصل الجلوس، قال الفقهاء أيضاً: "وفي حكم الظل: المتشمَّس الذي يقصده الناس للدفء، في وقت الشتاء"، يعني الإشراق الذي يقصده الناس من أجل الشمس، فحكمه حكم الظل الذي يستظل به.
قال المؤلف: (أو تحت شجرةٍ عليها ثمرة)، لأن ذلك قد يؤدي إلى فساد ما قد يسقط من الثمرة، فإذا سقط فإنه عرضة لأن يصاب، يقع على النجاسة، فلا ينتفع به.
وهذا المعنى يشمل كل المواضع التي يمكن أن يُضرّ الناس فيها: الطريق، والظل، ومواضع ما يستقي منه الناس، اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل، الموارد: يعني كحافة البئر، ما حول البئر الذي يستقي منه الناس، أو النهر الذي يستقي منه الناس، كل المرافق التي يحتاج الناس إليها، إلى ورودها واللبث فيها، يحرم التخلي فيها للمفسدة، إما لتنفيرهم، أو تعريضهم للنجاسة.