بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ

قال المصنف: (ويَستجمرُ ثمَّ يستنجي بالماءِ)

إذا فرغ من حاجته: يستجمر بالأحجار، ثم يستنجي بالماء، يعني يجمع بينها، وكان أكثر هديه -عليه الصلاة والسلام- الاقتصار على الاستجمار، وقد يستنجي أحياناً، كما جاء في الصحيح عن أنس -رضي الله عنه- قال: (كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يدخُلُ الخَلاءَ، فأحمِلُ أنا وغلامٌ إداوةً من ماءٍ وعَنَزَةً، فيَستَنجي بالماءِ).
ودليلًا لم يأت صريحاً، عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه جمع بينهما، لكن جاء في حديث ابن عباس: أن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وسلم سأل أهل قباء، فقالوا: (إنَّا نتبعُ الحجارةَ الماء).
ويرجح أن الجمع بين الاستجمار والأحجار أفضل، يعني أكمل في الطهارة، وإن كان الاستجمار مجزئاً لمن اقتصر عليه بشروطه، لكن الجمع بينهما أفضل، لسببين :
 أولاً: لأن الاستجمار لا يُباشر الإنسان معه النجاسة بيده، بل بما يستجمر به.
وثانياً: لأن الاستنجاء بالماء يزيل أثر النجاسة، أما الأحجار فلا تزيل أثر النجاسة، بل تزيل عين النجاسة؛ ولهذا قال الفقهاء: يُعفى عن أثر استجمار بمحله.
وعلى كل حال: فالجمع بينهما حسن؛ لما ذُكر من جهة المعنى، ولما جاء في الأثر، ويأتي ذكر شروط الاستجمار.

(ويُجزئهُ الاستجمارُ إنْ لمْ يَعْدُ الخارجُ موضعَ العادةِ)
ويجزئه الاستجمار: يعني يكفيه عن الاستنجاء، بشرط: إن لم يَعْدُ الخارج موضع العادة، أي أن لا يتجاوز موضع العادة، المخرج: حلقة الدبر، بعضهم يقول: موضع العادة، هو المسربة التي هي مخرج الغائط، وصفحة الدبر، وهذا أظهر؛ لأن النجاسة تصيبه في الغالب، فيبقى موضع الخارج عن موضع العادة، مثل طرف الفخذ، يعني: الورك، تسيل النجاسة خارج حدود موضع العادة، كما ذُكر، فهذا لا ينفع فيه الاستجمار.
كما لو وقعت النجاسة على قدمك، أو على ساقك، كذلك إذا انتشرت النجاسة، وتعدت موضع العادة، إلى رأس الفخذ، فإنه لا يكفي فيها الاستجمار، وإنما يُجزئ الاستجمار وحده، إذا كان لم يتجاوز موضع العادة، وهو مخرج الغائط وصفحتا الدبر.

(ويُشترطُ لاستجمارٍ بأحجارٍ ونحوِها: أن يكون طاهراً، مُنقياً، غيرَ عظمٍ، وروثٍ، وطعامٍ، ومحترمٍ، ومتصلٍ بحيوان)
اشترط للاستجمار، بأحجارٍ ونحوها، كالمدر اليابس الصلب، الطين المتحجر، مثل الحجر، أو كل ما يحصل به الإزالة، والإنقاء كالخِرق، مثل المناديل التي أصبحت الآن وسيلة للإنقاء، ولعل الخِرق –المناديل- المسح بها أبلغ، والاستجمار بها أبلغ من الاستجمار بالأحجار.
فيشترط فيما يستجمر فيه، من حجر وغيره:
 - أن يكون (طاهراً)، لا نجساً، إذا كان نجساً فإنه ينجس المحل، بما فيه من النجاسة، ولو أزال جُرم النجاسة، لكنه ينجس المكان.
- ومباحاً، لا محرماً.
- و(مُنقياً)، يحصل به الإنقاء، وهو إزالة عين النجاسة، ولا يضر بقاء الأثر.
- (غير: عظم، وروث)؛ لما ثبت في الصحيح، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه نهى عن الاستنجاء بالعظم والروث، بل في أحاديث كثيرة قال سلمان -رضي الله عنه-: (نهانا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أن نستقبلَ القبلةَ بغائطٍ أو بولٍ، أو أن نستنجيَ باليمين، أو أن نستنجيَ بأقلَّ من ثلاثةِ أحجارٍ، أو أن نستنجيَ برجيعٍ أو عظم)، والرجيع: الروث، فلا يجوز الاستنجاء بالعظم، والروث.
وقد جاء ما يدل على تعليل هذا الحكم، أن الجن لما التقوا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال( لكم كلُّ عظمٍ ذُكرَ اسمُ اللهِ عليهِ يقع في أيديكم، تجدونه أوفر ما يكون لحما، وكلُّ بعرةٍ علفٌ لدوابِّكم) .
ثم إن العظم -في الغالب- إما أن يكون أملساً، وإما أن يكون خشناً، إن كان خشناً جرح المكان، وإن كان أملساً لم يحصل الإنقاء، فهو غير صالح أيضاً، لو لم يرد النهي عنه، لم يصلح.
- (وطعامٍ، ومحترمٍ) كذلك إذا كنا قد نُهينا عن الاستنجاء بطعام الجن، أو بعلف دوابهم، فطعام الإنس أولى، فلا يجوز الاستنجاء بالطعام، ثم إن فيه إفساد، إفساد للطعام، الذي يمكن أن يُنتفع به.
(ومحترم) كذلك مما لا يجوز الاستنجاء به: ما يكون محترماً، ومثَّلوا لهذا بكتب العلم، أما كتب العلم التي فيها ذكر الله، فلا يجوز الاستنجاء بها؛ لما في ذلك  من الامتهان لما فيه ذكر الله، وإذا كانت كتب صالحة –مثلاً- فاستعمالها في ذلك إفساد لماليتها، مع ما في ذلك من الامتهان فيها من الذكر.
وأما التي ليس فيها ذكر الله، يعني مما فيه من علوم، مثل كتب علم، لكن ليس هو العلم الشرعي، التي يشتمل على ذكر الله كثيراً، فرضاً كتاب علوم، منبوذ، متقطع، لا يريده أحد، ولا فيه شيء من ذكر الله، كله كلام عن كذا، وعن كذا، عن النبات، وعن الحيوان، يمكن فيه صور، فهذا يستنجى به، لا حرمة له، ليس بمحترم.
وهكذا الصحف، فالصحف لا تخلو في جملتها من كلام منتثر، فلو قدر أن جزء، أو صفحة، ليس فيها شيء من ذكر الله، فيجوز الاستنجاء بها، ورق مثل المناديل، فليس لهذه حرمة.
- (ومتصلٍ بحيوان) ومتصل بحيوان، يعني جزء من الحيوان، كيده وجلده وصوفه، يعني يستنجي بجزء منه، افتراضيات!، ممكن رجل يستنجي بحيوان، افرض أنه عنده بهيمة، وما في عنده شيء يستنجي به، فاستنجى بحافرها، أو استنجى بذيلها، يقول: لا يجوز.
ولا أدري بماذا عللوا هذا الحكم؟ إن كانوا عللوه بحرمة الحيوان، وأن فيه تلطيخًا له بالنجاسة، فهذا تعليل لا يستقيم في كل الصور، فمثلاً: إذا كان حيواناً يُركب، فإنه يتدلك، حتى يُطهر المكان، هذا يلوث ظهر الحيوان، وهذا مما يُركب.
لكن لو وجدتَّ قطعة جلد حيوان -قطعة لا فائدة فيها، ولا ينتفع بها- في المزبلة، نقول: نعم يجوز؛ لأنها ليست كجزء الحيوان المتصل به، ولهذا قالوا: "أو متصل"، متصل بحيوان، يعني هم دقيقون، ولم يقولوا: جزء من حيوان.

(ويشترطُ ثلاثُ مسحاتٍ مُنْقيةٍ، فأكثر: ولو بحجرٍ ذي شُعبٍ)
هذه تتمة شروط صحة الاستنجاء، يعني الشرط الأول: أن يكون ما يستجمر به مباحاً، طاهراً، إلى آخره، وأن لا يعدُ الخارج موضع الحاجة، ومن الشروط: أن لا تقل المسحات عن ثلاثة ، يكون الاستجمار ثلاث مسحات فأكثر؛ لما صح عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أولاً أنه كان إذا أتى الخلاء، يطلب ثلاثة أحجار، كما صح عند البخاري أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أتى الخلاءَ، فأمرَ ابن مسعود أنْ يأتيه بثلاثةِ أحجارٍ، فأتاه بحجرين، وروثة، فألقى الروثة، وقال: هذه ركس)، دل على اعتبار الأحجار.
وفي رواية: (ائتني بغيرها)، وأصرح منه: حديث سلمان، عند مسلم: (وأنْ ألّا نستنجي بأقلّ من ثلاثةِ أحجارٍ) حتى ولو حصل الإنقاء بواحد.
ومن أهل العلم من قال: يُجزئ إذا حصل الإنقاء، ولو بواحد أو اثنين ، لكن حديث سلمان صريح: (ألّا نستنجي بأقلّ من ثلاثةِ أحجارٍ)، ولكن إذا احتاج إلى أكثر، إلى رابع مثلاً، يستحب له أن يقطع على وتر، للحديث الصحيح: (مَن استجمرَ فليوتر).

(ويشترطُ ثلاثُ مسحاتٍ مُنقيةٍ، فأكثر، ولو بحجرٍ ذي شُعبٍ)
كأن "لو": إشارة إلى الخلاف القوي، ومعنى ذلك: أن المذهب يُجزئ أن يستجمر بحجر ذي شُعب، حجر واحد، ولكن له أطراف، فيسمح بالجانب هذا، ويسمح بالجانب الآخر، والثالث؛ لأنه كبير، وله أطراف.
وقيل: لا يُجزئ ، لأن أكثر الروايات فيها ذكر "ثلاثة": (أن لا نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار)، (ائتني بثلاثة أحجار) وأحاديث كلها فيها نص على العدد، ثلاثة أحجار.
ولا شك أن القول باعتبار الحجر الواحد -بشعبه- بمثابة الثلاثة، له وجه قوي؛ لأنه لو كسر هذا الحجر، وطلع منه، يعني أطرافه، هذا واحد، وهذا واحد: يُجزئ بلا خلاف، ومن يقول: "لا يُجزئ إلا ثلاثة أحجار منفصلة" فيه نزعة ظاهرية، وأهل العلم –أحياناً- يكون عندهم نزعة ظاهرية في بعض المسائل، لكن غلاة الظاهر لا ينظرون إلى المعاني والمقاصد.

(ويُسنُ قطعهُ على وترٍ)
هذا كما سبقت الإشارة، يعني فيما زاد على الثلاث، أما الثلاث فلا بد منها، لكن إذا احتاج إلى أربع يقطع إلى خمسة، (ومن استجمر فليوتر)، ويُسن قطعه على وتر: للحديث.

(ويجبُ الاستنجاءُ لكلِّ خارجٍ إلّا الريح)
يجب الاستنجاء من كل خارج، يعني من البول، والغائط، والمذي، ودم، إلا الريح لا يجب الاستنجاء منه، والقول بمشروعية الاستنجاء من الريح: قول شاذ، ولا دليل عليه.
من كل خارج، يشمل: البول –مثلاً-، والمذي: جاء فيه الأمر بالغسل، غسل المذي، وغسل الذكر، وغسل الأنثيين، وهذا لا ينفع فيه الاستجمار، بل لا بد من الاستنجاء بالماء.

(ولا يصحُّ قبلَهُ: وضوءٌ، ولا تيممٌّ)
ولا يصح قبل الاستنجاء وضوءٌ، ولا تيممٌ، يجب -إذا بال أو تغوط- أن يستنجي، قبل أن يتوضأ، فإن توضأ قبل أن يستنجي، لم يصح وضوءه، هذا هو المذهب على ما ذكر، وقال به كثير من أهل العلم.
والقول الثاني: أنه يصح ، فلو أنه –مثلاً- بال أو تغوط، ثم لسبب أو لآخر توضأ قبل أن يستنجي، ثم استنجى بعد ذلك، أجزأه، هذا هو الصحيح؛ لأن الاستنجاء من باب إزالة النجاسة، وزوال النجاسة لا ترتيب بينها، وبين الوضوء، فلو أن إنساناً على ساقه نجاسة، ثم لسبب توضأ، غسل وجه ويديه، ومسح رأسه، وغسل رجليه، قبل إزالة النجاسة، يصح وضوؤه، فكذلك النجاسة في محل الخارج، فلو توضأ قبل أن يستنجي، أو قبل أن يستجمر: صح وضوؤه، وهذا هو الصحيح.

بابُ السّواكِ وسننِ الوضوء:
المناسبة أن تكون "سنن الوضوء" في باب الوضوء، يذكرها بعد صفة الوضوء، يقول: فروضه كذا، وسننه كذا، ولكن لعلَّ هذه الترجمة، وذكر سنن الوضوء؛ لأن السواك من سنن الوضوء، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (لولا أنْ أشقَّ على أمّتي لأمرتهم بالسواكِ مع كلِّ وضوءٍ).
السواك يراد به: العود الذي يستاك به، الآلة، آلة التسوك، ويطلق ويراد به التسوك، فإذا قلت: ناولني سواكًا، أو قلت: اشتريت سواكًا، فهو الآلة، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (لولا أنْ أشقَّ على أمّتي لأمرتهم بالسّواكِ)، يعني بالتسوك، يعني الفعل، وكأن السواك اسم مصدر، من "استاك"، أو "تسوك"، ساك، يستاك، استواكاً.
والمناسب هنا: "باب السواك" يراد به التسوك، يعني هو الذي نقول: ندب إليه الرسول في قوله -عليه الصلاة والسلام-: (السواكُ مطهرةٌ للفمِ، مرضاةٌ للربِّ)، السواك الذي هو التسوك، لا الآلة.
إذاً: هذا فيه الدليل، أن الله يرضى لعبده أن يستاك، يحب منه ذلك، (السواكُ مطهرةٌ للفمِ)، ينظِّف الفم، يطيِّبُه، ينظف الأسنان، ينظف ما علق فيها من آثار الأكل، أو نحوه.
وسنن الوضوء، ما سوى فروض الوضوء، ففروض الوضوء -كما سيأتي- أربعة، منصوصة في كتاب الله، واثنان مستنبطان: المولاة، والترتيب، أما سننه فكثيرة، كما سيأتي.

(التَّسوكُ بعودٍ، ليَّنٍ، مُنْقٍ، غيرُ مُضرٍّ، لا يتفتَّتُ، لا بإصبعٍ، وخِرْقةٍ. مسنونٌ كلَّ وقتٍ، لغير صائمٍ بعد الزوال)
التسوك بعودٍ رطبٍ، لا يتفتت، ليّنٍ، مُنقٍ، غير مضر، وغير مضر هنا للتأكيد؛ لأنه إذا كان ليناً فهو لا يؤذي، أكثر ما يؤذي إذا كان يابساً، صلباً.
"مسنونٌ": خبر التسوك، مسنون يعني سنة، يعني سنه الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والرسول صلى الله عليه وسلم سنَّ السواك، بقوله وفعله، فكان يتسوك كثيرًا، وكان يأمر بالسواك مطلقًا، ويندب إليه ويؤكده، في مواضع، كما سيذكر المؤلف.
بعد ذكر ما يُستاك به، وهو العود، وذكر صفات آلة التسوك، بيَّن المؤلف شيء من المحترز، وهو الإصبع، والخرقة، يعني: الإصبع والخرقة لا يحصل بهما فعل، فمن نظَّف فمه بإصبعه، أو بخرقة، يدلك بها أسنانه، فهذا لا يعد سواكًا، ولا تتحقق به السنة.
ولا ريب أن السواك بالعود أولى، وأفضل، لكن قد لا يتيسر، فيستاك الإنسان بإصبعه.
والصواب: أنه إذا لم يكن هنالك عود، فتنظيف الفم -إذا كانت الغاية تطييب الفم، وتطهير الفم- فكذلك يحصل بدلك الأسنان بخرقة، أو دلكها بأصبعه، يحصل به ما يحصل بالسواك، أو قريب منه.
فيقال -أيضاً- يدخل في الاستحباب: التسوك بالأصبع، يعني التسوك بالأصبع فقط، أكثر ما يناسب مع الوضوء؛ لأنه يحصل به تنظيف، وممكن الخرقة، والمنديل، تُمسح الأسنان بالمنديل والفرشاة كذلك، لكن السواك بالعود أولى منها، وإن كان يحصل بها تنظيف بالغ، لهذا ينصحون بها –الفرشاة- لأنها مصممة لتنظيف الأسنان، لكن نقول: لا يحصل بها مظهر السنة، يعني تفريش الأسنان يكون مرة بالصباح فقط، لكن هذه لا، هذه مع كل صلاة، ومع كل وضوء.
(مسنونٌ كلَّ وقتٍ) في الليل وفي النهار، وفي الصباح والمساء، كل وقت، (لغير صائمٍ بعد الزوال)، لحديث ورد في هذا: (إذا صمتم فاستاكوا بالغداة ولا تستاكوا بالعشي؛ فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه بالعشي إلا كانتا نورًا بين عينيه يوم القيامة)، ولكن الحديث ضعيف، ومعارض بما هو أقوى منه، حديث عامر بن ربيعة، قال: (رأيتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ما لا أحصي، يتسوِّك وهو صائمٌ). وهذا هو الصحيح، أن السواك مشروع للصائم، مطلقاً، بلا قيد، ويدل لهذا القول -أعني القول الراجح- يدل له إطلاقات الحديث: (السواكُ مطهرةٌ للفمِ مرضاةٌ للربِّ)، (لولا أنْ أشُقَّ على أمَّتِي لأمرتُهُمْ بالسِّوَاكِ عندَ كلِّ صلاةٍ)، (لأمرتهم بالسواكِ مع كلِّ وضوءٍ)، وهكذا، فهذا دليل على أن السواك للصائم لا يتقيد بأول النهار.

(متأكدٌ عندَ صلاةٍ، وانتباهٍ، وتغيرِ فمٍ)
يتأكد السواك في مواضع: عند الصلاة، للحديث المتفق على صحته: (لولا أنْ أشُقَّ على أمَّتِي لأمرتُهُمْ بالسِّوَاكِ عندَ كلِّ صلاةٍ)، فهذا من المواضع الذي يتأكد فيها السواك، وكذلك الوضوء، وعند تغير الفم، لأن الحكمة من السواك: تطهير الفم، وتطييبه، فإذا تغير الفم، وصار فيه تغير خارج عن العادة، تأكد السواك، وكذلك عند الوضوء، للحديث الذي ذكرته: (لولا أنْ أشقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواكِ مع كلِّ وضوءٍ)، ويتأكد عند الانتباه من النوم، لحديث حذيفة -رضي الله عنه- يقول: (كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا قامَ من الليلِ يشوص فاهُ بالسواكِ)، يدلكه.
وقال العلماء: ويتأكد كذلك عند قراءة القرآن؛ لأن القرآن أفضل ما يخرج من فم الإنسان، فيناسب تطهير الفم، وذلك من تعظيم كلام الله، يطيب مخرج القرآن، يطيبه، يدلكه، ينظفه.
فيتأكد: عند الصلاة، والوضوء، والانتباه من النوم، وعند تغير الفم، وتلاوة القرآن.

(ويستاكُ عَرْضاً، مُبتدئاً بجانبِ فمهِ الأيمن)
يستاك عرضًا، بالنسبة لوجهه، عرض الوجه، يميناً وشمالاً، ويبتدأ بالسواك بجانب شقه الأيمن، مبتدئاً بشقه الأيمن، شق فمه الأيمن، مما يليه؛ وذلك لعموم حديث عائشة، المشهور، المتفق عليه، (كانَ رسولُ اللهِ -صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ- يعجبهُ التّيمنُ في تنعّلهِ، وترجّلهِ، وطهورهِ، وفي شأنهِ كلّهِ)، فناسب أن يبتدئ بشقه الأيمن، ومثل التيمن في هذا كثير، وهذا من مواضع التيمن.
وجمهور أهل العلم على أنه يستاك باليسار؛ لأن السواك -الأصل والغالب- للتطهير، لتطهير الفم، فناسب أن يكون باليد اليسرى، لا باليمين.
"يستاك عرضاً": يميناً وشمالاً، وطولاً رأسياً، الحركة تكون رأسية، لكن لا ريب أن السنة -كما ذكر- يعني أن يستاك عرضاً، مبتدئاً بشقه الأيمن؛ لأن الاستياك طولًا يعرِّض اللثة للجرح، إذا حركت السواك فوق وتحت، فإن المسافة قصيرة، فهذا يعرض اللثة للضرر، بخلاف ما إذا استاك لليمين وللشمال، فكل الفم يمر عليه، من اليمين إلى الشمال، وهذا معنى قوله: "يستاك عرضاً"، مبتدئا بشقه الأيمن.

(ويَدَّهنُ غِبّاً، ويكتحلُ وِتْراً)
"يدَّهنُ غبّاً" يعني هذا بالنسبة لمن عليه شعر الرأس، الذي عنده شعر، فالسنة أن يدهن غبّاً، يعني يوم بعد يوم؛ لأن تسريح الشعر يوميًا فيه ترف، لا يليق الانشغال بالزينة يومياً.
وقد جاء في أحاديث، ترشد إلى هذا، وهذا المعنى ينسحب إلى تسريح الشعر، سواء أكان مع الدهان، أو بدون، يعني مثلاً غسيل الرأس، هذا يتصف بمن عليه شعر نازل.
فكان من عادة -ولا يزال- الذين يوفِّرون رؤوسهم أنهم يدهنون الشعر، فالنساء يدهنَّ شعورهن، وكذلك شعر الرجل إذا طال، فإنه يحتاج إلى الدهن الذي يحسِّنُه، ويجمِّلُه، ويزيلُ شعثَه، ويليِّنُه.
والحكمة: هو عدم المبالغة في الترف، والزينة، وهذا -فيما يظهر- يختص بالرجال، الكلام في الرجال، أما المرأة فمن شأنها الزينة، وهي بحاجة إليه، فلا تنهى عن الترجل، عن إصلاح وتسريح شعرها يوميًا.
"ويكتحل وتراً": فُسِّر بوضع الكحل في العين، بالميل العود، الذي يكتحل به، يكتحل يعني يمسح الميل بعينه ثلاث مرات، يأتي بالميل ويمسح به على عينه، فقوله: "يكتحل وترا"، يعني المسحات تكون ثلاثاً، والعين الثانية ثلاثًا.
يقول في "الروض المربع": "ويكتحلُ في كلِّ عينٍ (وتراً) ثلاثاً، بالأثمدِ المطيَّبِ، كلَّ ليلةٍ، قبلَ أنْ ينامَ، لفعلهِ عليهِ الصّلاةُ والسلامُ، رواهُ أحمدُ وغيرهِ، عن ابنِ عباسٍ، ويُسنُّ نظرٌ في مرآةٍ، وتطيّبٌ، ويتفطنُ إلى نِعمِ اللهِ تعالى، ويقول: اللهمُّ حَسِّن خُلقي، كما حسَّنتَ خَلقي، وحرّمْ وجهي على النارِ؛ لحديثِ أبي هريرة".
المقصود الذي جر إلى موضوع الادِّهان: هو التناسب بين الاكتحال والسواك، من جهة أن فيها تحسين، وتطيب، وإصلاح الشعر، هذا تطيب وتطهير الفم، وهذا تطيب الشعر، وإزالة وسخه، وتحسينه.