بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ
 
 التّجارة الرّابحة "في فضل الجهاد"
 
﴿كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [ص: 29] كتاب الله: فيه الهدى، والنّور، وفيه الخير لِمَن آمن به واتّبعه، ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُۚ﴾ [الزمر:23]، نسأل الله أن يهدينا بكتابه، نسأل الله أن ينفعنا وإياكم به.
ومِن الآيات التي يناسب أن نقرأها أو نتدبّر بعض ما فيها: قوله سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ تِجَٰرَةٖ تُنجِيكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ﴾ [الصف:10] إلى آخر  السورة، سورة الصف، سورة الصف افتُتِحت بالتّسبيح؛ ولهذا تسمّى هذه السورة مع غيرها: سور التّسبيح، أو هي التّسابيح: الحديد، والحشر، والصف، والجمعة، والتّغابن، كلّها مُفتتحة بالتّسبيح، ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [الحديد: 1]
ثم أعقب ذلك بخطاب مِن الله للمؤمنين؛ يحذّرهم مِن مُخالفة الأفعال للأقوال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفۡعَلُونَ*كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفۡعَلُونَ﴾ [الصف:2-3].
ثم أثنى -سبحانه- على المجاهدين في سبيله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِۦ صَفّٗا كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٞ مَّرۡصُوصٞ٤﴾ [الصف:4]، أوفى النّاس، أوفى الناس لدينهم: هم المجاهدون الصّادقون على علمٍ وهدى وبصيرة.

ثم -سبحانه وتعالى- ذكرَ شيئًا مِن خبر موسى وعيسى -عليهما السّلام-، ثم ختم السّورة أيضاً بأمر المؤمنين بالجهاد: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ تِجَٰرَةٖ تُنجِيكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ*تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [الصف:10-11]
هذا هذه هي التّجارة الرابحة، التّجارة الرّابحة التي فيها الرّبح في الدنيا والآخرة، التّجارة الرابحة جعلها الله، اللهُ تعالى جعل التّجارة الرابحة أمرين: الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله.

وشرائع الإسلام كلّها عظيمة، أعظمها بعد الشهادتين: الصّلاة، الصّلوات الخمس، والجهاد جاء في الحديث أنّه ذروة سنام الإسلام، ﴿هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ تِجَٰرَةٖ تُنجِيكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ*تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ*يَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ﴾: هذه هي الثمرة، ﴿يَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ وَيُدۡخِلۡكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ﴾[الصف:12]، هذا هو الثواب الأخروي العظيم.
وهنا ثواب عاجل؛ ألا وهو: النّصر والفتح في الدّنيا، فالمجاهدون إذا صدقوا: نصرهم الله، ﴿إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ﴾[محمد:7]، وفتح عليهم، ﴿وَأُخۡرَىٰ تُحِبُّونَهَاۖ نَصۡرٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَتۡحٞ قَرِيبٞۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [الصف: 13].
وخُتِمتْ بعد ذلك بدعوة المؤمنين إلى أن يقتدوا بسلفهم مِن أتباع الرّسل الذين نصروا الله ونصروا رسله ونصروا دينه، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُوٓاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ لِلۡحَوَارِيِّ‍ۧنَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِۖ فَ‍َٔامَنَت طَّآئِفَةٞ مِّنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٞۖ فَأَيَّدۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمۡ فَأَصۡبَحُواْ ظَٰهِرِينَ﴾ [الصف: 14]

فهذه السّورة مِن أوّلها إلى آخرها: في شأن الجهاد، فشأن الجهاد في الإسلام عظيم، والحديث فيه واسع وطويل، وآيات الجهاد في القرآن أكثر وأكثر مِن الصّلاة، مِن آيات الصلاة، مع عِظَم شان الصّلاة، لا شكّ أنّ الصّلوات الخمس عمود الإسلام، وهي أعظم الواجبات، لكن الجهاد له شأن؛ ذروة سنام الإسلام: هو الجهاد في سبيل الله.
فإذا قام المسلمون بهذا الواجب: عَزُّوا وعَلَتْ منزلتهم، وألقى الله الرّعب والهيبة في صدور أعدائهم، ولهذا جاء عن النّبي -عليه الصّلاة والسّلام- أنّه قال: (نُصِرتُ بالرّعب مسيرة شهر)، نُصِرت بالرعب مسيرة شهر.
ومِن نصر الله لعباده المؤمنين المجاهدين: أن يُلقي الرّعب في صدور الكافرين، ﴿سَنُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ بِمَآ أَشۡرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗاۖ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [آل عمران:151].
نسألُ الله أن يهديننا صراطه المستقيم، وأن يهدينا سبيل الرّشاد، وأن ينصر دينه، ويُعلي علمته، وأن يخذلَ الكافرين، ويحفظ هذه البلاد وسائر بلاد المسلمين مِن شرّ الأعداء، مِن الكافرين والمنافقين، وصلّى الله على نبيّنا محمد.

أحد الحضور: وتقديم الأموال على الأنفس في الجهاد؟
الشيخ: قال العلماء لأنّه هو الوسيلة الأولى، يُبدأ به، ثم مِن وجه آخر: المال أوسع، بذله أوسع مِن بذل النّفوس، أوسع، فكثير مِن النّاس يستطيع بذل المال لكن لا يستطيع أن يجاهد بنفسه لسبب مِن الأسباب، وإلّا: النّفس لاشك أنّها أعلى، وبذل النّفس أعظم مِن بذل المال، ولهذا في آية البيع على الله قدَّم النفس، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ﴾، في عقد البيع -بيع المجاهدين أنفسهم على الله- قدَّم الأنفس، ﴿ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ﴾ [التوبة:111].