بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ


وقفات من سورة الفجر

 
هاتان سورتان مِن الجزء الثلاثين مِن القرآن؛ "سورة الفجر" و"سورة الليل"، سُمّيت "الفجر": لأنّها افتُتِحت: ﴿وَالْفَجْرِ﴾، "سورة الليل" افتُتِحت: ﴿وَاللَّيْلِ﴾، فاسمها مِن أوّل كلمة فيها، وكل مِن السّورتين افتُتِحت بأقسام مِن الله، فإنّ قوله {وَٱلفَجرِ*وَلَيَالٍ عَشر* وَٱلشَّفعِ وَٱلوَترِ*وَٱلَّيلِ إِذَا يَسرِ}(الفجر:1-4): هذا حَلِف مِن الله، حَلِف، نسميه قَسمًّا أو نقول "حَلِف" حَلِف مِن الله.
واللهُ تعالى يَحلف ويُقسم بما شاء مِن خلقه، وهذا كثير في سور المُفصَّل، كثير، افتتاح السّور بالأقسام، بالقَسم، وهكذا "سورة الليل":{وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى*وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى*وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى}(الليل:1-3)
أمّا المخلوق: فلا يُقسم إلّا بالله، لا يُقسمُ المخلوقُ بمخلوقٍ، المخلوقُ لا يجوز له أن يُقسم، (مَن حلف بغير الله فقد أشرك)، فلا يجوز أن يحلِف الإنسان بالنّبي، ولا بالولي كما يفعل المشركون، ولا يحلِف بأبيه، يقول: وأبي، أو: وحياتي، ولا: وحياة أبي، ولا: وحياتي، لا، بل يقسم بالله وحده، أو بكلماته أو بصفاته أو بأسمائه، بعزة الله وحياة الله، ويقول الحلف الجامع: والله، وربّي، وربّ الكعبة.
ولا يجوز أن يقسم بالكعبة كما يفعل الجهلة، يقول: والكعبة، لا، قل: وربّ الكعبة، ربّ هذا البيت، {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ*إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ*فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ}(قريش: 13)
فإذا أقسم الإنسانُ وقال "وربّ البيت": نعم، حق، أقسم بربّه، أقسم بالله، أو ببعض صفاته وكلمات الله وعزة الله وقدرة الله.
فهاتان السّورتان مع سور أخرى: افتُتحت بقسم، بقسم الله ببعض مخلوقاته، يقول العلماء: وإذا أقسمَ اللهُ بشيء فإنّ هذا يدلّ على أنّ هذا له شأن، هذا المُقسم به، نعم: "الليل، والنهار، والفجر، والليالي العشر، وغيرها": لها شأن عند الله، وهي مِن أعظم آياته، يعني فيه فيه لفتُ نظرٍ للناس، لفتُ نظرٍ للعباد أن يتفكّروا في هذه المخلوقات.
"الليل": جعله الله نعمةً عظيمةً وسكنًا، وامتنّ على العباد، ﴿قُل أَرَءَيتُم إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيكُمُ ٱلَّيلَ سَرمَدًا﴾، ﴿قُل أَرَءَيتُم إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيكُمُ ٱلَّيلَ سَرمَدًا﴾
قال: ﴿وَمِن رَّحمَتِهِۦ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسكُنُواْ فِيهِ﴾، تسكنوا في الليل، ﴿وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضلِهِۦ﴾: يعني في النهار، ﴿وَلَعَلَّكُم تَشكُرُونَ﴾: المطلوب مِن العبد أن يشكر الله، يشكر الله على نعمه الخاصّة التي تخصّك وهي داخلة في كيانك، أو الله تعالى أكرمك بها، واشكر الله على النِّعم العامة، "الليل": مِن النعم العامة، و"النّهار": مِن النّعم العامة، يشترك فيها النّاس كلهم.
أقسام؛ فاللهُ يُقسم بهذه المخلوقات: للفت أنظار العباد إلى ما لها مِن الشّأن، وهي لها دلالة على قدرة الله ورحمة الله وحكمة الله، الله حكيم، وهو على كلّ شيء قدير.
﴿وَٱلَّيلِ إِذَا يَغشَىٰ﴾: يغشى الناس في ظلامه، ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾: ظهرَ واتّضح وأشرقت الشّمسُ فيه، فجعلَ الليلَ للناس سكناً، ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِبَاسًا وَٱلنَّومَ سُبَاتاً﴾: يعني راحة، {وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُوراً}(الفرقان:47)
وذكر في كلٍّ مِن السورتين خبرًا عن السّعداء والأشقياء، فالنّاس قسمان: سعداء وأشقياء، وذكرَ اللهُ هذا في السّورتين، ففي سورة "الفجر": ذكر اللهُ الأشقياء مِن الأمم الكافرة الماضية، مِن عاد وثمود، ﴿وَفِرعَونَ ذِي ٱلأَوتَادِ*ٱلَّذِينَ طَغَواْ فِي ٱلبِلَٰدِ*فَأَكثَرُواْ فِيهَا ٱلفَسَادَ﴾.
وذكر في ختامها السّعداء باختصار، قال تعالى: {وَجِاْيٓءَ يَومَئِذِۢ بِجَهَنَّمَۚ يَومَئِذ يَتَذَكَّرُ ٱلإِنسَٰنُ}(الفجر:23)، هذا مصير الكفرة والطّغاة والعصاة.
ثم قال: ﴿يَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفسُ ٱلمُطمَئِنَّةُ*ٱرجِعِيٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَة مَّرضِيَّة فَٱدخُلِي فِي عِبَٰدِي وَٱدخُلِي جَنَّتِ﴾، قيل: إنّ هذا يُقال لنفس المؤمن يوم القيامة.
﴿يَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفسُ ٱلمُطمَئِنَّةُ﴾: خلاف النّفس الأمارة بالسّوء، النّفسُ المطمئنةُ: هي النفسُ الطّيبة الصّالحة الزكية، (ونفسٍ) يقول تعالى: {وَنَفسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا*فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَىٰهَا*قَد أَفلَحَ مَن زَكَّىٰهَا}(الشمس:7-9) وفي الدعاء: (اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكّها أنتَ خيرُ مَن زكّاها).
﴿يَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفسُ ٱلمُطمَئِنَّةُ*ٱرجِعِيٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَة مَّرضِيَّة فَٱدخُلِي فِي عِبَٰدِي وَٱدخُلِي جَنَّتِ﴾: وقال بعضُ المفسرين: إنّ هذا يُقال لنفس المؤمن عند الموت، ولا ريب أنّ المؤمن عند الموت يُستقبل بالبشائر، ويتولاه ملائكةُ الرحمة ويبشرونه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱستَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ ٱلمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحزَنُواْ وَأَبشِرُواْ بِٱلجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُم تُوعَدُونَ}(فصلت: 30).
فنسألُ الله أن يجعلنا وإيّاكم مِن عباده السّعداء، وأن يثبّتنا على هذا الدّين، وينبغي التّدبّر للقرآن ومعرفة معناه، فاللهُ أنزل القرآن للتّدبّر: {كِتَٰبٌ أَنزَلنَٰهُ إِلَيكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ}(ص: 29)، نسأل الله أن ينفعنا به، وصلّى الله على نبيّه.