بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ

                   
وقفات مِن "سورة فاطر"
 
هذه السورة -سورة فاطر- سُميت "سورة فاطر": لأنّها افتُتِحت بحمد لله الذي هو فاطرُ السّموات والأرض، {ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ}[فاطر:1]، نعم؛ له الحمد كلّه ملء السّموات وملء الأرض وملء ما بينهما، له الحمد كلّه، هو فاطر السّموات والأرض، يعني هو المُبتدِئُ هو المُبتدِئ لخلقهما، لا على مثالٍ سبق، هو مُبدعُهُما، فلهذا اسمه -تعالى- فاطر السّموات والأرض، بديع السّموات والأرض، يعني مُبتدع، مبتدعُها ومُبتدِئها، مُبتدِئ لهذا العالم، هو خالقه لا خالق غيره، ولا ربّ سواه.
﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾، وهو ربّ السّموات والأرض، وربّ العرش العظيم، وربّ كلّ شيء، جاعل الملائكة رُسُلاً، الملائكة، مِن أصول الإيمان: الإيمان بالملائكة، مَن الملائكة؟ عالمٌ مِن عالم الغيب، وهم خيار كلّهم، كلّ الملائكة عبادٌ مُكرمون، عباد مُكرمون لا يسبقونه بالقول، وهم بأمره يعملون، {يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ وَهُم مِّنۡ خَشۡيَتِهِۦ مُشۡفِقُونَ}[الأنبياء: 28].
الملائكة يجب الإيمان بوجودهم، وأنّهم عباد، ليسوا كما يقول المشركون أنّهم آلهة، أو أنهم بنات الله، أو ولد الله، بل هم عباد مُكرمون، مُطيعون لله، دائمون دائبون في عبادة الله، يسبّحون الليل والنهار لا يفترون، هذا شأن ملائكة الله.

والمُوَفَقُ مِن البشر هو مَن يقتدي بعباد الله الصّالحين، بالملائكة الكرام، بالملائكة الكرام، ولهذا الله يذكرهم مُثنيًا عليهم وحاثَّاً للعباد على الاقتداء بهم، (ألا تَصَفُّون كما تَصفُّ الملائكة عند ربّها؟ قالوا وكيف تَصفُّ الملائكة عند ربها؟ قال: يُتِمون الصّف الأول فالأول، ويتراصون في الصّف) أو كما قال صلّى الله عليه وسلّـم.
جاعل الملائكة رُسُلاً، الملائكة رُسل يرسلهم الله فيما يشاء، فمنهم ملائكة الوحي ينزل بالوحي على الرّسل؛ كجبريل، ومنهم، ومنهم، ومنهم ملائكة موكَّلون بأمور هذا العالم، هناك ملائكة الموت، وهناك مَلَك الأرحام، وهناك الملك الموَكَّلُ بالسّحاب والقطر، وملائكة مُسخَّرون والملائكة الحفظة، الحَفظة: {وَإِنَّ عَلَيۡكُمۡ لَحَٰفِظِينَ*كِرَامٗا كَٰتِبِينَ*يَعۡلَمُونَ مَا تَفۡعَلُونَ}[الانفطار:10-12]، {عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٞ*مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ}[ق:17-18].
ملائكة موكَّلون بحفظ العبد مما يريده بسوء، ﴿لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ﴾[الرعد:11]
وهم أنواع وأصناف، وكلّهم مُطيعون لله، وهم المُدبرات منهم المُدبرات التي تدبر أمورًا أو بعض أمور العالم بأمر الله وبمشيئته وباقداره سبحانه، فهم عبيد لله، {إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّآ ءَاتِي ٱلرَّحۡمَٰنِ عَبۡدٗا}[مريم: 93]، كل مَن في السماوات والأرض كلّهم عبيد لله.
لكن العبوديّة الشرف: هي عبودية المُطيعين الخاضعين اختيارًا لله، وهم عباد الرحمن، {وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا}[الفرقان: 63].
 هؤلاء العباد، وإلا فكلّ النّاس عباد الله؛ المسلم والكافر كلّهم عباد، لكن الكفَّار عباد لله بالقهر والاضطرار لا بالاختيار، أمّا المؤمنون: فهم عباد لله بالاختيار، والافتقار، والانقياد، والقصد، والرغبة، والحب لله سبحانه وتعالى.

{جَاعِلِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِيٓ أَجۡنِحَةٖ}[فاطر:1]، سبحان الله لهم أجنحة، كيف هذه الأجنحة؟ لا ندري، لهم أجنحة مثنى، منهم مَن يكون له جناحان، ومنهم مَن يكون له أكثر، مثنى وثُلاث ورُباع، أربع، ومنهم يزيد في الخلق ما يشاء.
وجاء في الحديث الصحيح أنّ جبريل رآه النّبي -صلّى الله عليه وسلَّم- على هيئته أو على خِلقته، له سِتمئة جناح، لكن لا نتصور كُنه هذه الخِلقة، لا نتصوّر، لكن نؤمن بخبر الله وخبر رسوله عليه الصّلاة والسّلام.
فالملائكة مِن عالم الغيب، وأصنافهم وصفاتهم ولهم، لهم أيدي، نعم لهم أيدي، أيدي أين؟ {وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ}[الأنعام:93]، باسطو أيديهم...، باسطو أيديهم، {أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَكُنتُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهِۦ تَسۡتَكۡبِرُونَ}[الأنعام:93]، ولو ترى إذ الظالمون، ولو ترى، آية أخرى، المقصود: أنّ الملائكة موكّلون بأعمال.
{جَاعِلِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِيٓ أَجۡنِحَةٖ مَّثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۚ يَزِيدُ فِي ٱلۡخَلۡقِ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ١}[فاطر:1].
الآية الثانية: {مَّا يَفۡتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحۡمَةٖ فَلَا مُمۡسِكَ لَهَاۖ وَمَا يُمۡسِكۡ فَلَا مُرۡسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ}[فاطر: 2] فالأمر كله لله، وبيده المُلك وهو على كل شيء قدير.
فهو المُعطي المانع، ما يصيب العباد: ﴿وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يُرِدۡكَ بِخَيۡرٖ فَلَا رَآدَّ لِفَضۡلِهِۦۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ}[يونس: 107].
وهو يقول: ﴿مَّا يَفۡتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحۡمَةٖ فَلَا مُمۡسِكَ لَهَاۖ﴾، فإذا أرادك الله بنعمةٍ وخير: فلا أحد يستطيع أن يردَّها أو يُمسكها أو يمنعها.
﴿وَمَا يُمۡسِكۡ فَلَا مُرۡسِلَ لَهُۥ﴾، كما منعه الله عن العبد أو عن العباد، ما منعه الله: فلا يستطيع أحد أن يأتي به، ولعلّه يُفسر هذه الآية قولُه -صلى الله عليه وسلـم-: (واعلمْ أنّ الأمّةَ لو اجتمعوا على أن ينفعوكَ بشيءٍ لم ينفعوكَ إلّا بشيءٍ قد كتبهُ اللهُ لكَ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ لم يضروكَ إلّا بشيءٍ قد كتبه اللهُ عليكَ).

وهذه الآية معناها هو ما تحفظونه وتقولونه في صلاتكم: "لا مانع لما أعطى"، هذا هو معنى: ﴿مَّا يَفۡتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحۡمَةٖ فَلَا مُمۡسِكَ لَهَاۖ﴾: لا مانع لما أعطى، ولا مُعطي لما منع، ﴿وَمَا يُمۡسِكۡ فَلَا مُرۡسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ ﴾ ما يُمسكه الله ويمنع حصوله للعبد: خلاص.
وهذا تتأملوه في أنفسكم وفي تصرفاتكم، يريد الإنسان الشّيء ويحرص عليه، ويبذل له كلّ الأسباب ولا يصل إليه؛ لأنّه لم يُكتب له، فما عنده لا يجرُّه حرص حريص، إنّ رزق الله لا يجرُّه حرص حريص ولا يردُّه كراهيتُكَ، ما يفتح الله للناس ِمن رحمة فلا ممسك لها، لكن على العبد أن يسأل ربّه، اسأل ادعوا ربّك خير الدّنيا والآخرة، اسأله الرزق الواسع والرّزق الحلال، واسأله الذّريّة، واسأله المطالب الأعلى، اسأله صلاح قلبك وصلاح ذُريّتك، اسأله المطالب العالية، اسأله الجنّة والنجاة مِن النار، اسأله خير الدّنيا والآخرة، {مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ}[النساء: 134]

ويُخبر تعالى عن المؤمنين الموَفَّقين في دعائهم: {فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ}[البقرة: 200]، هذا صنف مِن الناس همّه في الدّنيا ومطالبه وتوجهاته وحيله كلّها للدنيا.
{وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ}[البقرة: 201]: وهذا دعاء جامع، كثيراً ما كان النّبي -صلّى الله عليه وسلّـم- يدعو به.
(ربنا آتنا في الدّنيا حسنة): شامل لكلّ خير في الدّين والدّنيا، آتنا في الدّنيا حسنة؛ مالاً حلالاً، زوجة صالحة، ذرية صالحة، علمًا نافعًا.
(وفي الآخرة حسنة): وأعظم ذلك الجنّة وما فيها مِن النعيم، (وقنا عذاب النار)؛ وبهذا تتم النعمة، ﴿فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ﴾[آل عمران:185]. نسأل الله أن يجعلنا وإيّاكم من الفائزين، اللهم صلّ وسلم على نبينا.