بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ

معاني السور الثلاث في صلاة الوتر
1- سورة الأعلى

 

الحمدُ لله، وصلّى الله وسلّم وبارك على عبده ورسوله وعلى آله وصحبه، هذه السّور الثلاث الَّتي يُقرَأُ بها في صلاة الوتر، وهي سورة الأعلى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾[الأعلى:1]، هذه السورةُ لها شأنٌ ولها فضيلةٌ، فكان النبيُّ –صلّى الله عليه وسلّم- يقرأ بها في مواضعَ، يقرأ بها في صلاة الجمعة في الركعة الأولى، ويقرأ بها في صلاة العيدين، ويقرأ بها في صلاة الوتر، وهي مُفتتَحةٌ بالأمر بالتسبيح {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، وجاء في الحديث: أنَّه لمَّا نزلتْ هذه السورة {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} قال النبيُّ –صلى الله عليه وسلم-: (اجعلوها في سجودكم)، ولهذا كلُّكم ولله الحمد يعلم أنَّ الذكرَ الواجبَ في السجود "سبحانَ ربِّي الأعلى" سبحان، و"سبحان": معناها التنزيه لله، والتنزيه لأسمائه، تنزيه لله عن كلِّ نقصٍ وعيبٍ، وتنزيه لأسمائه عن النقص، فهي أسماءٌ حُسنى وأسماءٌ عظيمةٌ، أسماء ربِّ العالمين.
{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، ومن صفاته -سبحانه وتعالى- العلو، فهو فوق كلِّ شيءٍ، هو -سبحانه وتعالى- العليُّ وهو الأعلى فوق كلِّ شيءٍ، فوق سمواته على عرشه، خلافًا للمبتدعين الَّذين يجحدون ذلك وينكرونه، ويخالفون كتاب الله وسنَّة رسوله –عليه الصّلاة والسلّام-، ولهذا العبد إذا دعا: يتوجَّه إلى العلوِّ، يتوجَّه بقلبه يتوجَّه إلى ربِّ العالمين، يتوجَّه إلى الله، يشعر بأنَّه، يشعر بأنَّ ربَّه الَّذي يدعوه أنَّه في العلو، لا يتوجَّهُ إلَّا إلى العلوِّ؛ لأنَّ ربَّه في العلوِّ.
{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}: هذا افتتاحُ هذه السورة، وفيها معانٍ جليلةٌ، وفيها الأمر أمر النبيِّ –صلى الله عليه وسلم- بالتذكير ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى*سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى*وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾[الأعلى:9-11]، سيتذكَّر، {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى} مَن يخشى الله، ويخشى عذابه، ويخشى اليوم الموعود، {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى}، فالناسُ عند التذكير وبعد التذكيرِ يصيرون فريقين، دائمًا الناسُ بعد الدعوة والتّذكير يصيرون فريقين: فريقٌ يقبل التذكير ويستجيب لأمر الله ويتأثَّر بالموعظة، وفريقٌ يعرض عن ذلك، ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى*وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى*الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى*ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا*قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى*وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾[الأعلى:10-15].

والتَّزكِّي يكون بالأعمال الصّالحة، الأعمالُ الصّالحة تزكِّي النّفوس وتطهِّرها وتنقِّيها، وأمَّا المعرضون عن ذكر الله: فنفوسهم لا يحصل لها هذا الزّكاء بل تكون  نفوسًا رديئة خبيثة؛ لأنَّها لم تتزكَّ ولم تتطهَّرْ بالإيمان والعمل الصالح.
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى*وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى*بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾[الأعلى:14-16]، واللهُ يذمُّ الكافرين أن آثروا الدنيا على الآخرة، آثروا الدنيا وصارتْ أكبرَ همِّهم، فعلى المسلمين أن يحمدوا الله على نعمة الإسلام، وألَّا يتشبَّهوا بالكفَّار في التعلُّق بالدّنيا، وإيثار حطامها، وإيثار لذَّاتها وشهواتها، بل عليهم أن يستعينوا بما أعطاهم الله مِن النعمِ على طاعته، وأن يقتصدوا في أمرِ دنياهم، ويحذروا مِن آفتين: آفةُ الإسراف والتّبذير، وآفةُ التّقتيرِ والبخل والشُّحِّ بما أوجبَ اللهُ مِن العطاء والإنفاق، فهذه السورةُ الأولى مِن السور الثلاث، ويأتي التعليقُ بما تيسَّرَ على السّورتين الأخريين -سورة الكافرون وسورة الإخلاص- نفعَنا اللهُ وإيَّاكم بكتابه.