السؤال: هل يؤكل مِن هدي الإحصار ؟ فقد سمعتُ مِن بعضِ المفتين أنَّه لا يؤكلُ منه، ومِن آخر أنَّه يؤكلُ، علمًا أني أكلتُ منه في سنة مضت، فماذا أفعل إذا كان الجواب بالمنع ؟
 

الجواب: الحمدُ لله وحده، وصلَّى الله وسلَّم على مَن لا نبي بعده ؛ أمَّا بعد :
فقد اختلفَ أهلُ العلم فيما يجوزُ الأكلُ منه مِن الهدي وغيره مِن الدّماء وما لا يجوز ؛ فذهبَ كثيرون إلى أنَّ كلَّ هدي واجبٍ لا يجوز الأكلُ منه، إلّا هدي التَّمتُّع والقِران، وهو المشهورُ مِن مذهب الإمام أحمد وأبي حنيفة، وعن الإمام أحمد رواية أنَّه يأكلُ مِن كلِّ ذلك إلا مِن جزاء الصَّيد والمنذور، قال في المغني (5/445ـ طبعة التركي): "وهو قول ابن عمر وعطاء والحسن وإسحاق"اهـ. 
وعلى هذا : فيجوزُ الأكلُ مِن هدي الإحصار، وهدي التَّمتُّع والقِران، وقال ابنُ أبي موسى -مِن أصحاب الإمام أحمد-: لا يأكلُ مِن المنذور ولا جزاء الصَّيد ولا الكفارة، أي: ويأكلُ مما سوى ذلك (نقله في المغني عنه)، ولعلَّه يريدُ بالكفارة: ما وجبَ بتركِ واجبٍ أو فعل محظور ؛ كفدية الأذى.
وأمَّا الشَّافعي : فعنده لا يجوزُ الأكلُ مِن أيِّ هدي واجبٍ، حتى هدي التَّمتُّع والقِران، وظاهرُ السُّنَّة خلافه في هدي التَّمتُّع والقِران، فقد أكلَ النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- مِن بدنه ؛ فإنَّه أمرَ أن يؤخذَ له مِن كلِّ واحدةٍ بضعةٌ، فجُعلت في قدرٍ، فطُبخت فأكلَ منها، وشربَ مِن مرقها، كما في حديث جابر الطويل في مسلم، وفي صحيح البخاري أنَّ النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أهدى عن أزواجه بقرًا، وأُدخل عليهن مِن لحمها، وكلُّهن متمتعات، وعائشة قارنة.
وأظهرُ هذه الأقوال عندي قولُ الإمام أحمد في الرّواية الثانية، وهو الذي عزاه صاحب "المغني" إلى ابن عمر وعطاء والحسن وإسحاق، وهو جوازُ الأكلِ مِن دمِ الإحصار ودمِ التَّمتُّع والقِران، ويؤيدُ ذلك أنَّ لفظَ القرآن في الحكمين واحد: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ، فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196].
وقد ثبتَ أنَّ النَّبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- أكلَ مِن هدي نسكهِ وهو قارنٌ، وكذا نساؤه، كما تقدَّم، فهديُ الإحصار مثلُ هدي التَّمتّع والقِران، وقد نبَّه على هذا التَّنظير بين الحكمين مِن حيث لفظ الدَّليل الشَّيخُ محمد ابن عثيمين -رحمه الله- في تفسير سورة البقرة (2/402)، وبناءً على هذا : فلا حرج عليكَ أيّها السَّائل مِن أكلكَ مِن هدي الإحصار، والله أعلم. وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد.
أملاه:
عبدالرَّحمن بن ناصر البرَّاك
لثلاث خلون مِن ذي الحجة لعام 1437هـ