بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ
شرح كتاب (الجواب الصَّحيح لِمَن بدّل دين المسيح) لابن تيمية
الدّرس: السَّابع والثّلاثون بعد المئة

***    ***    ***    ***

 

- القارئ : بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على أشرفِ الأنبياءِ والمرسلينَ، نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ أجمعينَ، أمَّا بعدُ: فيقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ -رحمَهُ اللهُ تعالى- في كتابِهِ: "الجوابِ الصَّحيحِ لمَن بدَّلَ دينَ المسيحِ":

وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَيُّوبَ أَيْضًا: إِنَّا كُلَّمَا تَأَمَّلْنَا مَعَكُمْ فِي نِسْبَةِ الْمَسِيحِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- إِلَى الْإِلَهِيَّةِ وَعِبَادَتِكُمْ لَهُ مَعَ اللَّهِ عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي تَذْهَبُونَ إِلَيْهَا، وَطَلَبْنَا لَكُمُ الْحُجَّةَ فِي ذَلِكَ مِنْ كُتُبِكُمْ، ازْدَدْنَا بَصِيرَةً فِي اسْتِحَالَةِ ذَلِكَ وَوَضْعِكُمْ لَهُ مِنَ الْقَوْلِ مَا يَثْبُتُ لَكُمْ بِهِ حُجَّةٌ، وَلَا يَشْهَدُ بِهِ لَكُمْ شَيْءٌ مِنْ كُتُبِكُمْ، وَوَجَدْنَا أَبْيَنَ مَا جَاءَ فِي الْمَسِيحِ وَصِحَّةِ أَمْرِهِ فِيمَا أَتَى بِهِ مَا قَالَ "مَتَّى" التِّلْمِيذُ: "إِنَّهُ لَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى أَرْضِ قَيْسَارِيَّةَ سَأَلَ تَلَامِيذَهُ فَقَالَ: مَاذَا يَقُولُ النَّاسُ فِي أَنِّي ابْنُ الْبَشَرِ؟ فَقَالُوا: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّكَ يُوحَنَّا الْمَعْمِدَانِيُّ، وَآخَرُونَ يَقُولُونَ: إِنَّكَ أَرْمِيَا، أَوْ أَحَدُ الْأَنْبِيَاءِ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: فَأَنْتُمْ مَاذَا تَقُولُونَ؟ فَأَجَابَهُ سَمْعَانُ الصَّفَا -وَهُوَ رَئِيسُهُمْ- فَقَالَ: أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ الْحَقِّ. فَأَجَابَهُ الْمَسِيحُ وَقَالَ: طُوبَى لَكَ يَا سَمْعَانُ ابْنَ يُونَانَ، إِنَّهُ لَمْ يُطْلِعْكَ عَلَى هَذَا لَحْمٌ وَلَا دَمٌ، وَلَكِنْ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاءِ".

وَحَكَى لُوقَا فِي إِنْجِيلِهِ هَذَا الْخَبَرَ فَقَالَ: "إِنَّ سَمْعَانَ أَجَابَهُ فَقَالَ: أَنْتَ مَسِيحُ اللَّهِ"، وَلَمْ يَقُلِ: ابْنُ اللَّهِ، فَهَذَا كَلَامُ تِلْمِيذِهِ الرَّئِيسِ فِيهِ وَأَرْضَاهُ مَا قَالَ.

وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ لَمْ يَنْطِقْ بِذَلِكَ إِلَّا مَا أَوْحَاهُ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ وَلَمْ نَدْفَعْكُمْ قَطُّ عَنْ أَنَّهُ مَسِيحُ اللَّهِ، وَلَا عَنْ أَنَّهُ كَمَا تَقُولُونَ فِي لُغَتِكُمْ أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ بِالرَّحْمَةِ وَالصَّفْوَةِ مَعَ هَذَا الِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ فِي ذَلِكَ فِي الْإِنْجِيلَيْنِ، وَقَدْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ فِيكُمْ جَمِيعًا: "إِنَّ اللَّهَ إِلَهِي وَإِلَهُكُمْ وَأَبِي وَأَبِيكُمْ"، فَنَعْمَلُ عَلَى احْتِجَاجِكُمْ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُكُمْ فِي مَعْنَى النُّبُوَّةِ وَنَجْعَلُهُ مِثْلَ مَنْ سُمِّيَ فِي الْكُتُبِ ابْنًا عَلَى جِهَةِ الِاصْطِفَاءِ وَالْمَحَبَّةِ مِثْلَ إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِ، بَلْ قَدْ خَصَّ إِسْرَائِيلَ بِأَنْ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: "أَنْتَ ابْنِي بِكْرِي".

وَهَذَا كَلَامٌ لَهُ مَذْهَبٌ فِي اللُّغَةِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الْكُتُبُ، وَلَيْسَتْ بِمُوجِبَةِ الْإِلَهِيَّةِ إِذْ كَانَ قَدْ شَارَكَهُ فِي هَذَا الِاسْمِ غَيْرُهُ، فَلِمَ لَا جَعَلْتُمُوهُ كَمَا جَعَلَ نَفْسَهُ؟

وَمِمَّا يُؤَكِّدُ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ وَيُزِيلُ تَأْوِيلَ مَنْ يَتَأَوَّلُهُ لَهُ مَا لَمْ يَدَّعِهِ وَلَمْ يَرْضَ بِهِ، قَوْلُهُ فِي عِلْمِ السَّاعَةِ: "أَنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ، وَلَا الِابْنُ يَعْنِي نَفْسَهُ إِلَّا الْأَبُ وَحْدَهُ"، ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: "أَيُّهَا الْعَالِمُ الصَّالِحُ، أَيُّ الْأَعْمَالِ خَيْرٌ لِي، الَّذِي تَكُونُ لِي حَيَاةٌ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ؟ فَقَالَ لَهُ: لِمَ تَقُولُ لِي صَالِحًا؟ لَيْسَ الصَّالِحُ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ"، فَاعْتَرَفَ لِلَّهِ بِأَنَّهُ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَنَفَى عَنْ نَفْسِهِ فَلَمْ يَجْعَلْهَا وَلَا أَحَدَ مِنَ الْخَلْقِ أَهْلًا لِذَلِكَ.

وَقَوْلُهُ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي جَاءَتْهُ فَقَالَتْ: "أَنْتَ ذَلِكَ النَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُ مَجِيئَهُ؟ فَقَالَ لَهَا الْمَسِيحُ: صَدَقْتِ طُوبَى لَكِ"، ثُمَّ قَالَ لِلشَّيْطَانِ حِينَ اخْتَبَرَهُ فَسَامَهُ أَنْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ مِنْ رَأَسِ الْهَيْكَلِ، فَقَالَ: "أُمِرْنَا أَنْ لَا نُجَرِّبَ الرَّبَّ"، ثُمَّ سَامَهُ أَنْ يَسْجُدَ لَهُ فَقَالَ: "أُمِرْنَا أَنْ لَا نَسْجُدَ إِلَّا لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَلَا نَعْبُدَ سِوَاهُ"، ثُمَّ صَلَاتُهُ فِي غَيْرِ وَقْتٍ لِلَّهِ، وَآخِرُهَا اللَّيْلَةَ الَّتِي أَخَذَتْهُ الْيَهُودُ فِيهَا، فَإِذَا كَانَ إِلَهًا كَمَا زَعَمْتُمْ فَلِمَنْ كَانَ يُصَلِّي وَيَسْجُدُ؟

ثُمَّ قَوْلُ الْجُمُوعِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ حِينَ دَخَلَ أُورْشَلِيمَ، وَهِيَ مَدِينَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَلَى الْأَتَانِ، لِمَنْ كَانَ يَسْأَلُهُ عَنْ أَمْرِهِ لَمَّا رَاجَتِ الْمَدِينَةُ بِهِ: "هَذَا هُوَ يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ النَّبِيُّ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ"؟ ثُمَّ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ الْإِنْجِيلِ: "اخْرُجُوا بِنَا مِنْ هَذِهِ الْمَدِينَةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ لَا يُبَجَّلُ فِي مَدِينَتِهِ". وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يُهَانُ نَبِيٌّ إِلَّا فِي مَدِينَتِهِ وَفِي بَيْتِهِ وَأَقَارِبِهِ".

وَقَوْلُهُ فِي بَعْضِ خُطْبِهِ: "إِنَّ هَذَا الْجِيلَ السُّوءَ يُرِيدُ آيَةً وَأَنَّهُ لَا يُعْطَى إِلَّا آيَةَ يُونُسَ، كَمَا كَانَ يُونُسُ لِأَهْلِ "نِينَوَى": كَذَلِكَ يَكُونُ ابْنُ الْبَشَرِ لِهَذَا الْجِيلِ، رِجَالُ نِينَوَى يَقُومُونَ فِي الدِّينِ مَعَ هَذَا الْجِيلِ فَيَخْصِمُونَهُمْ، لِأَنَّهُمْ تَابُوا عَلَى قَوْلِ يُونُسَ النَّبِيِّ، وَإِنَّ هَاهُنَا أَفْضَلَ مِنْ يُونُسَ". ثُمَّ قَوْلُ دَاوُدَ فِي نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ: "مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَهُ وَجَعَلْتَهُ دُونَ الْمَلَائِكَةِ قَلِيلًا".

ثُمَّ قَوْلُ تَلَامِيذِهِ فِيهِ مَا شَرَحْنَاهُ فِي صَدْرِ كِتَابِنَا هَذَا مَا تَقَدَّمَ وَوَصْفُهُمْ أَنَّهُ رَجُلٌ أَتَى مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِالْأَيْدِي وَالْقُوَّةِ.

وَمِمَّا يُشْبِهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا قَدَّمَ تَلَامِذَتَهُ فَرَكِبُوا السَّفِينَةَ وَقَالَ لَهُمْ: "امْضُوا فَإِنِّي أَلْحَقُ بِكُمْ، فَأَتَاهُمْ يَمْشِي عَلَى الْبَحْرِ فَلَمَّا رَأَوْهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ قَالُوا: مَا هَذَا الْحَالُ وَيْحٌ، وَمِنَ الْغَرَقِ صَاحُوا. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: اطْمَئِنُّوا وَلَا تَخَافُوا أَنَا هُوَ، فَأَجَابَهُ شَمْعُونَ الصَّفَا وَقَالَ لَهُ: يَا رَبِّ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ هُوَ فَأْذَنْ لِي آتِيكَ عَلَى الْمَاءِ. فَقَالَ لَهُ: تَعَالَ، فَنَزَلَ سَمْعَانُ إِلَى الْمَاءِ لِيَمْشِيَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ وَجَعَلَ يَغْرَقُ، فَصَاحَ وَقَالَ: يَا رَبِّ أَغِثْنِي، فَبَسَطَ يَدَهُ يَسُوعُ فَأَخَذَهُ وَقَالَ لَهُ: لِمَ تَشَكَّكْتَ يَا قَلِيلَ الْأَمَانَةِ؟". قَالَ: فَبَانَ بِذَلِكَ عَجْزُ الْمَسِيحِ عَنْ إِتْمَامِ مَا سَأَلَهُ شَمْعُونُ الصَّفَا، وَمِثْلُهُ أَمْرُ الرَّجُلِ الَّذِي قَالَ لِيَسُوعَ خَبَرَ ابْنَتِهِ وَمَا يَنَالُهَا مِنَ الشَّيْطَانِ، وَأَنَّهُ قَدْ قَدَّمَهَا إِلَى تَلَامِيذِهِ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يُخْرِجُوهُ، وَقَدْ كَانَ جَعَلَ لَهُمْ ذَلِكَ وَغَيْرَهُ فَأَخْرَجَهُ هُوَ مِنْهَا.

وَقَالَ فِي الْإِنْجِيلِ، وَهُوَ يَذْكُرُ الْأَمْثَالَ الَّتِي ضَرَبَهَا لِرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ: إنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوهَا مِنْهُ عَلِمُوا أَنَّهَا فِي شَأْنِهِمْ، فَهَمُّوا أَنْ يَأْخُذُوهُ ثُمَّ فَرِقُوا مِنَ الْجُمُوعِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُنْزِلُونَهُ مِثْلَ النَّبِيِّ.

وَقَالَ فِي الْإِنْجِيلِ لَمَّا جَاءَتْهُ أُمُّ ابْنَيْ زِنْدَا، وَكَانَتْ مِنْ تَلَامِذَتِهِ مَعَ ابْنَيْهَا، فَقَالَ لَهَا: "مَا تُرِيدِينَ؟ قَالَتْ: أُرِيدُ أَنْ تُجْلِسَ ابْنَايَ أَحَدَهُمَا عَنْ يَمِينِكَ وَالْآخَرَ عَنْ شِمَالِكَ فِي مَلَكُوتِكَ. فَقَالَ: لَيْسَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ، وَلَكِنْ مَنْ وُعِدَ لَهُ مِنْ أَبِي".

قَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَيُّوبَ: فَمَا يَكُونُ يَا هَؤُلَاءِ أَفْصَحُ وَأَبْيَنُ وَأَوْضَحُ مِنَ اجْتِمَاعِ هَذِهِ الشَّوَاهِدِ لَكُمْ فِي كُتُبِكُمْ، مَا رَضِيتُمْ بِقَوْلِهُ فِي نَفْسِهِ، وَلَا بِقَوْلِ تَلَامِذَتِهِ فِيهِ، وَلَا بِقَوْلِ مَنْ تَنَبَّأَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا قَوْلِ جُمُوعِهِ الَّذِينَ تَوَلَّوْهُ لِمَنْ سَأَلَهُمْ مِنْ مُخَالِفِيهِمْ عَنْهُ وَتَرَكْتُمْ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَأَخَذْتُمْ بِآرَاءِ قَوْمٍ تَأَوَّلُوا لَكُمْ عَلَى عِلْمِكُمْ بِأَنَّهُمْ قَدِ اخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الرَّأْيِ، فَقَالَ كُلُّ قَوْمٍ فِي الْمَسِيحِ مَا اخْتَارُوا، وَاتَّبَعَ كُلًّا مِنْهُمْ طَائِفَةٌ قَالُوا بِقَوْلِهِمْ، ثُمَّ سَلَكَ مَنْ بَعْدَهُمْ سَبِيلَ الْآبَاءِ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ.

فَبَيِّنُوا لَنَا حُجَّتَكُمْ فِي ذَلِكَ، وَهَيْهَاتَ مِنْ حُجَّةٍ وَنَحْنُ نَسْتَوْهِبُ اللَّهَ الْعِصْمَةَ وَالتَّوْفِيقَ مِنْهُ.

قَالَ: وَمِمَّا يُشْبِهُ مَا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ لِتَلَامِيذِهِ فِي إِنْجِيلِ لُوقَا: "فَأَمَّا أَنْتُمُ الَّذِينَ صَبَرْتُمْ مَعِي فِي بَلَائِي وَتَجَارِبِي فَإِنِّي أَعِدُكُمْ كَمَا وَعَدَنِي أَبِي الْمَلَكُوتَ لِتَأْكُلُوا وَتَشْرَبُوا مَعِي عَلَى مَائِدَتِي فِي مَلَكُوتِي" فَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ ثَنَاؤُهُ- وَعَدَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاءِ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ مَعَ تَلَامِيذِهِ عَلَى مَائِدَتِهِ، وَهَذَا مَا لَا شَكَّ لَكُمْ فِيهِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِكُمْ فِيمَا يَصِيرُ إِلَيْهِ، وَفِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنَّعِيمِ هُنَاكَ، ثُمَّ قَوْلُهُ لِشَمْعُونَ حِينَ أَتَتْهُ الْجُمُوعُ فَأَخَذُوهُ: "أَمْ تَظُنُّ أَنِّي لَسْتُ قَادِرًا أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقِيمَ لِيَ اثْنَيْ عَشَرَ جُنْدًا مِنْ مَلَائِكَتِهِ أَوْ أَكْثَرَ، وَلَكِنْ: كَيْفَ تَتِمُّ الْكُتُبُ أَنَّهُ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ"، وَلَمْ يَقُلْ: إِنِّي قَادِرٌ أَنْ أَدْفَعَهُمْ عَنْ نَفْسِي، وَلَا أَنِّي آمُرُ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يَمْنَعُوا عَنِّي، كَمَا يَقُولُ مَنْ لَهُ الْقُدْرَةُ وَالْأَمْرُ.

قَالَ: وَنَجِدُكُمْ تَقُولُونَ فِي الْمَسِيحِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: إِنَّهُ مَوْلُودٌ مِنْ أَبِيهِ أَزَلِيٌّ، وَيَجِبُ عَلَى الْمُدَّعِي الْقَوْلَ أَنْ يُثْبِتَ الْحُجَّةَ فِيهِ وَيَعْلَمَ أَنَّهُ مُطَالَبٌ بِإِيضَاحِهَا، لَا سِيَّمَا فِي مِثْلِ هَذَا الْخَطْبِ الْجَلِيلِ الَّذِي لَا يَقَعُ التَّلَاعُبَ بِهِ، وَلَا تَجْتَرِئُ النُّفُوسُ عَلَى رُكُوبِ الشُّبَهَاتِ فِيهِ، وَالْوَيْلُ الطَّوِيلُ لِمَنْ تَأَوَّلَ فِي ذَلِكَ تَأْوِيلًا لَا حَقِيقَةَ لَهُ، فَإِنَّهُ يُهْلِكُ نَفْسَهُ وَمَنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ مَعَهُ مِمَنْ يَتَّبِعُ قَوْلَهُ، إِنْ كَانَ هَذَا الِابْنُ أَزَلِيًّا عَلَى مَا فِي شَرِيعَةِ إِيمَانِكُمْ فَلَيْسَ هَذَا بِمَوْلُودٍ، وَإِنْ كَانَ مَوْلُودًا فَلَيْسَ بِأَزَلِيٍّ; لِأَنَّ اسْمَ الْأَزَلِيَّةِ إِنَّمَا يَقَعُ عَلَى مَنْ لَا أَوَّلَ لَهُ وَلَا آخِرَ.

وَمَعْنَى الْمَوْلُودِ: أَنَّهُ حَادِثٌ مَفْعُولٌ، وَكُلُّ مَفْعُولٍ فَلَهُ أَوَّلٌ، فَكَيْفَ مَا أَرَدْتُمُ الْقَوْلَ فِيهِ كَانَ بُطْلَانَ الشَّرِيعَةِ.

قَالَ: وَنَسْأَلُكُمْ أَيْضًا عَنْ وَاحِدَةٍ، لِمَ سَمَّيْتُمُ الْأَبَ أَبًا وَالِابْنَ ابْنًا؟ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ وَجَبَ لِلْأَبِ اسْمُ الْأُبُوَّةِ لِقِدَمِهِ، فَالِابْنُ أَيْضًا يَسْتَحِقُّ هَذَا الِاسْمَ بِعَيْنِهِ، إِذْ كَانَ قَدِيمًا مِثْلَهُ، وَإِنْ كَانَ الْأَبُ عَالِمًا عَزِيزًا فَهُوَ أَيْضًا عَالِمٌ عَزِيزٌ تَشْهَدُ شَرِيعَةُ الْإِيمَانِ لَهُ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهَا: إِنَّهُ خَلَقَ الْخَلَائِقَ كُلَّهَا وَأُتْقِنَتْ عَلَى يَدِهِ، وَأَنَّهُ نَزَلَ لِخَلَاصِكُمْ وَمَنْ قَدرَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا عَالِمًا عَزِيزًا، فَهَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرْنَاهَا تُبْطِلُ اسْمَ الْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ وَفِي إِبْطَالِهَا بُطْلَانُ الشَّرِيعَةِ الَّتِي تَقُولُ: وُلِدَ مِنْ أَبِيهِ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ الْأَبُ وَالِابْنُ مُتَكَافِئَيْنِ فِي الْقِدَمِ وَالْقُدْرَةِ، فَبِأَيِّ فَضْلٍ وَسُلْطَانٍ لِلْأَبِ عَلَيْهِ أَمَرَهُ وَنَهَاهُ، فَصَارَ الْأَبُ بَاعِثًا وَالِابْنُ مَبْعُوثًا، وَالْأَبُ مَتْبُوعًا مُطَاعًا وَالِابْنُ تَابِعًا مُطِيعًا

وَمِمَّا يَشْهَدُ بِصِحَّةِ قَوْلِنَا وَبُطْلَانِ مَا تَأَوَّلَهُ أَوَّلُوكُمْ فِي عُبُودِيَّةِ الْمَسِيحِ، أَنَّ "مَتَّى" التِّلْمِيذَ حِينَ بَنَى كِتَابَهُ الْإِنْجِيلَ أَوَّلَ مَا ابْتَدَأَ بِهِ أَنْ قَالَ: كِتَابُ مَوْلِدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ دَاوُدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَنَسَبَهُ إِلَى مَنْ كَانَ مِنْهُ عَلَى الصِّحَّةِ، وَلَمْ يَقِلْ: إِنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، وَلَا إِنَّهُ إِلَهٌ مِنْ إِلَهٍ كَمَا يَقُولُونَ: فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ تَسْمِيَةَ يَسُوعَ لِلنَّاسُوتِ الَّذِي قَدْ جَعَلْتُمُوهُ حُجَّةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ كُلِّ مَنِ الْتَمَسَ الْحُجَّةَ مِنْكُمْ عِنْدَ الِانْقِطَاعِ فِيمَا يَعْتَرِفُ بِهِ لِلْمَسِيحِ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ، فَقَدْ نَسَّقَ "مَتَّى" عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الَّذِي هُوَ عِنْدَكُمُ اسْمٌ لِلنَّاسُوتِ الْمَسِيحَ الَّذِي هُوَ جَامِعُ النَّاسُوتِ وَاللَّاهُوتِ، فَأَيُّ حُجَّةٍ فِي إِبْطَالِ هَذَا التَّأْوِيلِ أَوْضَحُ مِنْ هَذَا؟

وَمِمَّا يُصَحِّحُ قَوْلَنَا وَيُؤَكِّدُهُ قَوْلُ جِبْرِيلَ الْمَلَكِ لِمَرْيَمَ عِنْدَ مُخَاطَبَتِهِ إِيَّاهَا: إِنَّهُ ابْنُ دَاوُدَ عَلَى مَا ثَبَتَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْإِنْجِيلِ. قَالَ: وَوَجَدْنَاكُمْ قَدْ..

- الشيخ : إلى آخره، اللهُ يرحمُ الشَّيخَ أطالَ علينا في نقلِ هذه المناقشةِ.