بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرَّحيم
التَّعليق على كتاب (الطّرق الحُكميَّة في السّياسة الشَّرعيَّة) لابن قيّم الجوزيَّة
الدّرس السَّبعون

***    ***    ***    ***

 

- القارئ : الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ وباركَ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعينَ، اللَّهمَّ اغفرْ لنا ولشيخِنا ووالدينا والمسلمينَ. قالَ ابنُ القيِّمِ -رحمَهُ اللهُ تعالى- في "الطُّرقِ الحكميَّةِ في السِّياسةِ الشَّرعيَّةِ":

وَلِهَذَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَلِيِّ أَمْرٍ أَنْ يَسْتَعِينَ فِي وِلَايَتِهِ بِأَهْلِ الصِّدْقِ وَالْعَدْلِ، وَالْأَمْثَلِ فَالْأَمْثَلِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ كَذِبٌ وَفُجُورٌ، فَإنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ، وَبِأَقْوَامٍ لَا خَلَاقَ لَهُمْ.

قَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "مَنْ قَلَّدَ رَجُلًا عَلَى عِصَابَةٍ، وَهُوَ يَجِدُ فِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ مَنْ هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ، فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَجَمَاعَةَ الْمُؤْمِنِينَ".

وَالْغَالِبُ: أَنَّهُ لَا يُوجَدُ الْكَامِلُ فِي ذَلِكَ، فَيَجِبُ تَحَرِّي خَيْرِ الْخَيْرَيْنِ، وَدَفْعُ شَرِّ الشَّرَّيْنِ، وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- يَفْرَحُونَ بِانْتِصَارِ الرُّومِ وَالنَّصَارَى عَلَى الْمَجُوسِ عُبَّادِ النَّارِ؛ لِأَنَّ النَّصَارَى أَقْرَبُ إلَيْهِمْ مِنْ أُولَئِكَ، وَكَانَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- نَائِبًا لِفِرْعَوْنَ مِصْرَ، وَهُوَ وَقَوْمُهُ مُشْرِكُونَ، وَفَعَلَ مِنْ الْخَيْرِ وَالْعَدْلِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَدَعَا إلَى الْإِيمَانِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ.

فَصْلٌ:

إذَا عُرِفَ هَذَا فَعُمُومُ الْوِلَايَاتِ وَخُصُوصُهَا، وَمَا يَسْتَفِيدُهُ الْمُتَوَلِّي بِالْوِلَايَةِ: يَتَلَقَّى مِنْ الْأَلْفَاظِ وَالْأَحْوَالِ وَالْعُرْفِ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ، فَقَدْ يَدْخُلُ فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ -فِي بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ- مَا يَدْخُلُ فِي وِلَايَةِ الْحَرْبِ فِي زَمَانٍ وَمَكَانٍ آخَرَ، وَبِالْعَكْسِ، وَكَذَلِكَ الْحِسْبَةُ، وَوِلَايَةُ الْمَالِ، وَجَمِيعُ هَذِهِ الْوِلَايَاتِ فِي الْأَصْلِ وِلَايَاتٌ دِينِيَّةٌ، وَمَنَاصِبُ شَرْعِيَّةٌ، فَمَنْ عَدَلَ فِي وِلَايَةٍ مِنْ هَذِهِ الْوِلَايَاتِ، وَسَاسَهَا بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ، وَأَطَاعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، فَهُوَ مِنْ الْأَبْرَارِ الْعَادِلِينَ، وَمَنْ حَكَمَ فِيهَا بِجَهْلٍ وَظُلْمٍ، فَهُوَ مِنْ الظَّالِمِينَ الْمُعْتَدِينَ، وَ إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار:12-13]

فَوِلَايَةُ الْحَرْبِ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ، فِي الْبِلَادِ الشَّامِيَّةِ وَالْمِصْرِيَّةِ وَمَا جَاوَرَهَا: تَخْتَصُّ بِإِقَامَةِ الْحُدُودِ: مِنْ الْقَتْلِ، وَالْقَطْعِ، وَالْجَلْدِ، وَيَدْخُلُ فِيهَا الْحُكْمُ فِي دَعَاوَى التُّهَمِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شُهُودٌ وَلَا إقْرَارٌ، كَمَا تَخْتَصُّ وِلَايَةُ الْقَضَاءِ بِمَا فِيهِ كِتَابٌ وَشُهُودٌ وَإِقْرَارٌ، مِنْ الدَّعَاوَى الَّتِي تَتَضَمَّنُ إثْبَاتَ الْحُقُوقِ وَالْحُكْمَ بِإِيصَالِهَا إلَى أَرْبَابِهَا، وَالنَّظَرِ فِي الْأَبْضَاعِ وَالْأَمْوَالِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا وَلِيٌّ مُعَيَّنٌ، وَالنَّظَرِ فِي حَالِ نُظَّارِ الْوُقُوفِ، وَأَوْصِيَاءِ الْيَتَامَى، وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَفِي بِلَادٍ أُخْرَى - كَبِلَادِ الْغَرْبِ- لَيْسَ لِوَالِي الْحَرْبِ مَعَ الْقَاضِي حُكْمٌ فِي شَيْءٍ، إنَّمَا هُوَ مُنَفِّذٌ لِمَا يَأْمُرُ بِهِ مُتَوَلِّي الْقَضَاءِ.

وَأَمَّا وِلَايَةُ الْحِسْبَةِ: فَخَاصَّتُهَا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ فِيمَا لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِ الْوُلَاةِ وَالْقُضَاةِ، وَأَهْلِ الدِّيوَانِ وَنَحْوِهِمْ، فَعَلَى مُتَوَلِّي الْحِسْبَةِ أَنْ يَأْمُرَ الْعَامَّةَ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي مَوَاقِيتِهَا، وَيُعَاقِبَ مَنْ لَمْ يُصَلِّ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ، وَأَمَّا الْقَتْلُ: فَإِلَى غَيْرِهِ، وَيَتَعَاهَدُ الْأَئِمَّةَ وَالْمُؤَذِّنِينَ، فَمَنْ فَرَّطَ مِنْهُمْ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِ الْأُمَّةِ وَخَرَجَ عَنْ الْمَشْرُوعِ أَلْزَمَهُ بِهِ، وَاسْتَعَانَ فِيمَا يَعْجَزُ عَنْهُ بِوَالِي الْحَرْبِ وَالْقَاضِي.

وَاعْتِنَاءُ وُلَاةِ الْأُمُورِ بِإِلْزَامِ الرَّعِيَّةِ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ أَهَمُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ

- الشيخ : والي الحربِ مثل الشُّرَطِ والعسكريِّين الَّذين يتلقَّون أوامرَهم من وليِّ الأمرِ الأعلى أو مَن دونَه من نوَّابِه، ووالي الحربِ هو الهيئةُ هيئةُ الأمرِ بالمعروفِ، هؤلاءِ هم والي الحسبةِ.

 

- القارئ : وَاعْتِنَاءُ وُلَاةِ الْأُمُورِ بِإِلْزَامِ الرَّعِيَّةِ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ أَهَمُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَإِنَّهَا عِمَادُ الدِّينِ، وَأَسَاسُهُ وَقَاعِدَتُهُ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يَكْتُبُ إلَى عُمَّالِهِ: "إنَّ أَهَمَّ أَمْرِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةُ، فَمَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ، وَمَنْ ضَيَّعَهَا كَانَ لِمَا سِوَاهَا أَشَدُّ إضَاعَةً". وَيَأْمُرُ وَالِي الْحِسْبَةِ بِالْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَالصِّدْقِ، وَالنُّصْحِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ، وَيَنْهَى عَنْ الْخِيَانَةِ، وَتَطْفِيفِ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ، وَالْغِشِّ فِي الصِّنَاعَاتِ وَالْبِيَاعَاتِ، وَيَتَفَقَّدُ أَحْوَالَ الْمَكَايِيلِ وَالْمَوَازِينِ، وَأَحْوَالِ الصُّنَّاعِ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ الْأَطْعِمَةَ وَالْمَلَابِسَ وَالْآلَاتِ، فَيَمْنَعُهُمْ مِنْ صِنَاعَةِ الْمُحَرَّمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، كَآلَاتِ الْمَلَاهِي، وَثِيَابِ الْحَرِيرِ لِلرِّجَالِ، وَيَمْنَعُ مِنْ اتِّخَاذِ أَنْوَاعِ الْمُسْكِرَاتِ

- الشيخ : يعني هذه الأمورُ كلُّها تابعةٌ لوالي الحسبةِ، لأنَّها منكراتٌ فينكرونها، ما يتَّصلُ بالموازين وتطفيفِ الميزانِ والمكيالِ والغشِّ في التِّجارات، ولكن هذه الأمورُ وُزِّعَتْ، هذه الصَّلاحيَّاتُ وُزِّعَتْ، صارَت المسائلُ المتعلِّقةُ بالأموال هذه تبع وزارة التِّجارة والبلديَّة وما أشبهَ ذلك الآنَ، موزَّعة.

 

- القارئ : وَيَمْنَعُ صَاحِبَ كُلِّ صِنَاعَةٍ مِنْ الْغِشِّ فِي صِنَاعَتِهِ، وَيَمْنَعُ مِنْ إفْسَادِ نَقْدِ النَّاسِ وَتَغْيِيرِهَا، وَيَمْنَعُ مِنْ جَعْلِ النُّقُودِ مَتْجَرًا

يقولُ -يا شيخ- في الحاشية: "متجرًا" ساقطةٌ من نسخةٍ، وفي نسخةٍ محلُّها بياضٌ مقدارُ كلمةٍ

فَإِنَّهُ بِذَلِكَ يُدْخِلُ عَلَى النَّاسِ مِنْ الْفَسَادِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ، بَلْ الْوَاجِبُ: أَنْ تَكُونَ النُّقُودُ رُؤُوسَ أَمْوَالٍ، يَتَّجِرُ بِهَا، وَلَا يَتَّجِرُ فِيهَا، وَإِذَا حَرَّمَ السُّلْطَانُ سِكَّةً أَوْ نَقْدًا مُنِعَ مِنْ الِاخْتِلَاطِ بِمَا أَذِنَ فِي الْمُعَامَلَةِ بِهِ.

وَمُعْظَمُ وِلَايَتِهِ وَقَاعِدَتُهَا: الْإِنْكَارُ عَلَى هَؤُلَاءِ الزَّغَلِيَّةِ، وَأَرْبَابِ الْغِشِّ فِي الْمَطَاعِمِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَلَابِسِ وَغَيْرِهَا، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُفْسِدُونَ مَصَالِحَ الْأُمَّةِ، وَالضَّرَرُ بِهِمْ عَامٌّ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، فَعَلَيْهِ أَلَّا يُهْمِلَ أَمْرَهُمْ، وَأَنْ يُنَكِّلَ بِهِمْ أَمْثَالَهَمْ، وَلَا يَرْفَعُ عَنْهُمْ عُقُوبَتَهُ، فَإِنَّ الْبَلِيَّةَ بِهِمْ عَظِيمَةٌ، وَالْمَضَرَّةَ بِهِمْ شَامِلَةٌ وَلَا سِيَّمَا هَؤُلَاءِ الْكِيمَاوِيِّينَ الَّذِينَ يَغُشُّونَ النُّقُودَ وَالْجَوَاهِرَ، وَالْعِطْرَ وَالطِّيبَ وَغَيْرَهَا، يُضَاهِئُونَ بِزَغْلِهِمْ وَغِشِّهِمْ خَلْقَ اللَّهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا فَيَقْدِرُ الْعِبَادُ أَنْ يَخْلُقُوا كَخَلْقِهِ، قَالَ تَعَالَى - فِيمَا حَكَى عَنْهُ رَسُولُهُ -صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ-: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، فَلْيَخْلُقُوا شَعِيرَةً).

وَلِهَذَا كَانَتْ الْمَصْنُوعَاتُ -كَالطَّبَائِخِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَسَاكِنِ- غَيْرَ مَخْلُوقَةٍ إلَّا بِتَوَسُّطِ النَّاسِ، وَقَالَ تَعَالَى: وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ [يس:41-42]، وَقَالَ تَعَالَى: أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:95-96] وَكَانَتْ الْمَخْلُوقَاتُ مِنْ الْمَعَادِنِ وَالنَّبَاتِ وَالدَّوَابِّ غَيْرَ مَقْدُورٍ لِبَنِي آدَمَ أَنْ يَصْنَعُوهَا، لَكِنْ يُشَبِّهُونَ بِهَا عَلَى سَبِيلِ الْغِشِّ، وَهَذَا حَقِيقَةُ الْكِيمْيَاءِ، فَإِنَّهَا ذَهَبٌ مُشَبَّهٌ.

وَيَدْخُلُ فِي الْمُنْكَرَاتِ: مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَرَسُولُهُ مِنْ الْعُقُودِ الْمُحَرَّمَةِ، مِثْلُ عُقُودِ الرِّبَا، صَرِيحًا وَاحْتِيَالًا، وَعُقُودِ الْمَيْسِرِ، كَبُيُوعِ الْغَرَرِ، وَكَحَبْلِ الْحَبَلَةِ. وَالْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ، وَالنَّجْشِ. وَهُوَ أَنْ يَزِيدَ فِي السِّلْعَةِ مَنْ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا، وَتَصْرِيَةِ الدَّابَّةِ اللَّبُونِ، وَسَائِرِ أَنْوَاعِ التَّدْلِيسِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْحِيَلِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَى أَكْلِ الرِّبَا، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:

أَحَدُهَا: مَا يَكُونُ مِنْ وَاحِدٍ، كَمَا إذَا بَاعَهُ سِلْعَةً بِنَسِيئَةٍ، ثُمَّ اشْتَرَاهَا مِنْهُ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهَا نَقْدًا. حِيلَةً عَلَى الرِّبَا.

وَمِنْهَا: مَا تَكُونُ ثُنَائِيَّةً. وَهِيَ أَنْ تَكُونَ مِنْ اثْنَيْنِ: مِثْلُ أَنْ يَجْمَعَ إلَى الْقَرْضِ: بَيْعًا أَوْ إجَارَةً أَوْ مُسَاقَاةً أَوْ مُزَارَعَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: (لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَلَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَك) قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: (مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا، أَوْ الرِّبَا).

وَمِنْهَا: مَا تَكُونُ ثُلَاثِيَّةً، وَهِيَ أَنْ يُدْخِلَا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا لِلرِّبَا، فَيَشْتَرِي السِّلْعَةَ مِنْ آكِلِ الرِّبَا، ثُمَّ يَبِيعُهَا لِمُعْطِي الرِّبَا إلَى أَجَلٍ، ثُمَّ يُعِيدُهَا إلَى صَاحِبِهَا بِنَقْصِ دَرَاهِمَ يَسْتَعِيدُهَا الْمُحَلِّلُ. وَهَذِهِ الْمُعَامَلَاتُ: مِنْهَا مَا هُوَ حَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ، مِثْلُ الَّتِي يُبَاعُ فِيهَا الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ الشَّرْعِيِّ، أَوْ بِغَيْرِ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ، أَوْ يَقْلِبُ فِيهَا الدَّيْنَ عَلَى الْمُعْسِرِ، فَإِنَّ الْمُعْسِرَ يَجِبُ إنْظَارُهُ، وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ بِمُعَامَلَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَمَتَى اسْتَحَلَّ الْمُرَابِي قَلْبَ الدَّيْنِ، وَقَالَ لِلْمَدِينِ: إمَّا أَنْ تَقْضِيَ، وَإِمَّا أَنْ تَزِيدَ فِي الدَّيْنِ وَالْمُدَّةِ: فَهُوَ كَافِرٌ، يَجِبُ أَنْ يُسْتَتَابَ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَأُخِذَ مَالُهُ فَيْئًا لِبَيْتِ الْمَالِ. فَعَلَى وَالِي الْحِسْبَةِ إنْكَارُ ذَلِكَ جَمِيعِهِ، وَالنَّهْيُ عَنْهُ، وَعُقُوبَةُ فَاعِلِهِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى دَعْوَى وَمُدَّعًى عَلَيْهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ إنْكَارُهَا، وَالنَّهْيُ عَنْهَا.

فَصْلٌ

- الشيخ : حسبُكَ.

وهذا يبيِّنُ بطلانَ قولِ الَّذي يقولُ: الدِّينُ لا علاقةَ له بالسِّياسةِ، هذه كلُّها سياسةٌ، سياسةٌ داخليَّةٌ في سياسةِ المسلمين في سياسةِ الأمَّة، أمرُهم بالمعروف ونهيهم عن المنكرِ في تجاراتهم وعقودِهم ومبايعاتِهم هذا من دين الإسلامِ، فمن يقولُ إنَّ الدِّينَ لا علاقةَ له بهذه الأمورِ الاقتصاديَّة والتِّجاريَّةِ والسِّياسيَّة فهو ضالٌّ مبطِلٌ أو ملحِدٌ، لأنَّ دينَ الإسلامِ دينٌ شاملٌ كاملٌ، القرآنُ تبيانٌ لكلِّ شيءٍ.