بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ
شرح (رسالة ابن القيّم إلى أحد إخوانه)
الدّرس السّابع

***    ***    ***    ***
 
- القارئ: بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ، الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصّلاةُ والسّلامُ على المبعوث رحمةً للعالمين. قال ابنُ القيّم رحمهُ الله تعالى في رسالتِه إلى أحدِ إخوانِه في تَتِمّةِ كلامِه على الأصل الثّالث من الأصول التي تضمّنتها الآيةُ: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24]، قال: وَلَا يكونُ من أَتبَاعِ الرَّسُولِ على الْحَقِيقَةِ إِلَّا من دَعَا إِلَى الله على بَصِيرَة.
قَالَ الله تَعَالَى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ  عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي  وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108]، فَقَولُه أَدْعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ: تَفْسِيرٌ لسبيلِه الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا، فسبيلُه وسبيلُ أَتْبَاعهِ: الدعْوَةُ إِلَى الله، فَمن لم يدعُ إِلَى اللهِ فَلَيْسَ على سَبيله.
وَقَولُه عَلَىٰ بَصِيرَةٍ قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: البصيرةُ: الثَّبَاتُ فِي الدّين.

- الشيخ: ومن لم يدعُ إلى الله فليسَ على سبيلِ الرّسول، يعني لا يكونُ من المتحقّقِين بطريقةِ الرّسولِ والسائرينَ على مِنهاجِه، لأنّ كثيراً من عوامّ المسلمين لا قُدرةَ لهم، ولا بصيرةَ لهم أنّهم يدعون، إنّما يدعو من لديه علمٌ، وعنده فالمُتَّبعون المتحقّقون بمتابعةِ الرّسول هم على سبيلِه وهم العالمون الدّاعون، يعلمون ما جاء به الرسولُ ويدعونَ إلى ما جاء به الرّسول.
 
- القارئ: وَقَولُه: عَلَىٰ بَصِيرَةٍ قَالَ ابْن الْأَعرَابِي: البصيرة: الثَّبَاتُ فِي الدّين.
وَقيل: البصيرةُ العبرَة ُ،كَمَا يُقَال: أَلَيْسَ لَك فِي كَذَا بَصِيرَة؟ أَي عِبْرَةٌ، قَالَ الشَّاعِر: فِي الذّاهبينَ الْأَوَّلينَ من الْقُرُون لنا بصائر.
وَالتَّحْقِيقُ: الْعبرَةُ: ثَمَرَةُ البصيرةِ، فَإِذا تَبصَّرَ اعتبرَ،
 فَمن عَدِمَ الْعبْرَة فَكَأَنَّهُ لَا بَصِيرَة لَهُ. وأصلُ اللَّفْظ من الظُّهُور وَالبَيَان، فالقرآنُ بصائرُ، أَي أَدِلَّةٌ وَهدى وَبَيَانٌ يَقُودُ إِلَى الحقّ وَيهدي إِلَى الرُّشد. وَلِهَذَا يُقَالُ للطريقةِ من الدَّمِ الَّتِي يُسْتَدلُّ بهَا على الرَّمية: بَصِيرَة.
...
- الشيخ: الرَّميَّة

- القارئ: يقولُ في الحاشية
- الشيخ: اي الرَّميَّة، ولهذا ولهذا أعد..
- القارئ: وَلِهَذَا يُقَالُ للطريقة من الدَّم الَّتِي يُسْتَدلّ بهَا على الرَّميَّة بَصِيرَة.
- الشيخ:
الدَّم، نعم بعده
- القارئ: فدلّت الْآيَةُ أَيضاً على أَنّ من لم يكن على بَصِيرَةٍ فَلَيْسَ من أَتبَاع الرَّسُول صلّى الله عليه وسلّم، وَأَنّ أَتْبَاعَه هم أُولو البصائر وَلِهَذَا قَالَ: أَنَا وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي، فَإِن كَانَ الْمَعنى: أدعوا إِلَى الله أَنا وَمن اتبعني وَيكونُ مَنِ ٱتَّبَعَنِي مَعْطُوفًا على الضَّمِير الْمَرْفُوع فِي أَدْعُوٓاْ وحَسُنَ الْعَطف لأجلِ الْفَصلِ فَهُوَ دَلِيلٌ على أَنّ أَتبَاعَ الرَّسُولِ صلّى الله عليه وسلّم هم الَّذين يدعونَ إِلَى الله وَإِلَى رَسُوله، وَإِن كَانَ مَعْطُوفًا على الضَّمِير الْمَجْرُور فِي سَبِيلِي أَي هَذِه سبيلي وسبيل من اتبعني فَكَذَلِك.
وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فسبيلُه وسبيلُ أَتْبَاعِه الدّعْوَةُ إِلَى الله.
- الشيخ:
بعده
- القارئ: قال: الأصلُ الرّابعُ
- الشيخ: حسبُك، اللهُ المستعان، هذه الآيةُ الكريمةُ فيها هذا المعنى الذي نبّهَ عليه ابنُ القيّم، وهو أنّ الدّعوةَ إلى الله هي سبيلُ الرّسولِ وسبيلُ أتباعِه، وهي الدّعوةُ إلى الله على بصيرة.
فالأقربُ أنّ قولَه: ومَنِ ٱتَّبَعَنِي معطوفٌ على الضّمير في قولِه أَدْعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ، يدعو إلى الله على بصيرةٍ هذا هو المعنى، أدعوا إلى الله على بصيرة، أدعوا إلى اللهِ إلى عبادةِ الله إلى طاعةِ الله إلى معرفةِ الله، أدعوا إلى الله على علمٍ وبيِّنةٍ وهدًى. مَنِ ٱتَّبَعَنِي كذلك أتباعُ الرُّسلِ هم الدّعاةُ الهُداة.