بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ
شرح (رسالة ابن القيّم إلى أحد إخوانه)
الدّرس الثّامن

***    ***    ***    ***
 
- القارئ: بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ، الحمدُ لله ربّ العالمين، والصّلاةُ والسّلامُ على المبعوث رحمة للعالمين. قال ابنُ القيّم رحمهُ الله تعالى في تتمّةِ كلامِه على الأصلِ الرّابع:
فصلٌ: وَمِمَّا يَنْبَغِي الاعتناءُ بِهِ عِلماً وَمَعْرِفَةً وقصداً وَإِرَادَةً العلمُ بِأَنّ كلّ إِنْسَانٍ بل كلُّ حَيَوَانٍ إِنَّمَا يسْعَى فِيمَا يُحصِّلُ لَهُ اللَّذَّةَ وَالنَّعِيمَ وَطِيبَ الْعَيْشِ، ويندفعُ بِهِ عَنهُ أضدادُ ذَلِك وَهَذَا مَطْلُوبٌ صَحِيحٌ يتَضَمَّن سِتَّةَ أُمُورٍ:
أَحدُهَا: معرفَةُ الشَّيءِ النّافعِ للعبدِ الملائمِ لَهُ الَّذِي بحُصولِه لِذَّتَهُ، الذي بحصوله لذَّتُهُ وفرحُهُ وسرورُه وَطِيبُ عَيشِه.
الثَّانِي: معرفَةُ الطَّرِيقِ الموصلةِ إِلَى ذَلِك. الثَّالِث: سلوكُ تِلْكَ الطَّرِيق. الرَّابِع: معرفَةُ الضّارّ المؤذي المُنافِر الَّذِي يُنَكّدُ عَلَيْهِ حَيَاتَه. الْخَامِس: معرفَةُ الطَّرِيقِ الَّتِي إِذا سلكَها أفضتْ بِهِ إِلَى ذَلِك.

- الشيخ: ايش [ماذا]؟ أي نعم صحيح، صحيح، نعم.
- القارئ: السَّادِس: تجنُّبُ سلوكِها.
فَهَذِهِ سِتَّةُ أُمُورٍ لَا تتمّ لَذَّةُ العَبْدِ وسرورُه وفرحُه وَصَلَاحُ حَالِه إِلَّا باستكمالها، وَمَا نقصَ مِنْهَا عَادَ بِسوءِ حَالِه وتَنكيدِ حَيَاتِه. وكلّ عَاقلٍ يسْعَى فِي هَذِه الْأُمُورِ، لَكِنّ أَكثرَ النَّاسِ غَلِطَ فِي تَحْصِيل هَذَا الْمَطْلُوبِ المحبوبِ النّافعِ، إِمَّا فِي عدمِ تصَوّرِه ومعرفتِه، وَإِمَّا فِي عدمِ مَعْرفَةِ الطَّرِيق الموصلةِ إِلَيْهِ.
فهذانِ غلطانِ سببُهُمَا الْجَهْلُ، ويتخلّصُ مِنْهُمَا بِالْعلمِ، وَقد يَحصُلُ لَهُ الْعلمُ بالمطلوب وَالْعلمُ بطريقتِه لَكِن فِي قلبِه إراداتٌ وشهواتٌ تَحولُ بَينَه وَبَين قصدِ هَذَا الْمَطْلُوب النّافع، وسلوكِ طَرِيقه فَكلّما أَرَادَ ذَلِك اعترضتهُ تِلْكَ الشَّهَوَاتُ والإراداتُ وحَالتْ بَينَه وَبَينَه، وَهُوَ لَا يُمكنُهُ تَركهَا وَتَقْدِيمُ هَذَا الْمَطْلُوبِ عَلَيْهَا إِلَّا بأحد أمرين:
إِمَّا حُبٌ مُتَعَلِّقٌ، وَإِمَّا فَرقٌ مُزعِجٌ.

- الشيخ: حبٌ مُتَعَلِّق؟
- القارئ: مُتَعَلَّق
- الشيخ: ما أدري والله، نعم
- القارئ: وإما فَرقٌ مُزعِج، فَيكونُ اللهُ وَرَسُولُه وَالدَّارُ الْآخِرَةُ وَالْجنَّةُ وَنَعِيمُهَا أحبَّ إِلَيهِ من هَذِهِ الشَّهَوَاتِ، وَيعلمُ أَنّه لَا يُمكنُهُ الجمعُ بَينهمَا فيُؤثِرُ أَعلَى المحبوبين على أدناهُما، وَإِمَّا أَن يَحصلَ لَهُ علمُ مَا يَتَرَتَّبُ على إِيثَار هَذِه الشَّهَوَاتِ من المخاوفِ والآلامِ الَّتِي ألمُهَا أَشدُّ من ألمِ فَوَاتِ هَذِه الشَّهَوَات وَأبقى، فَإِذا تمكّنَ من قلبه هَذَانِ العلمانِ أنتجا لَهُ إِيثَار مَا يَنْبَغِي إيثارُه وتقديمُه على مَا سِواهُ.
- الشيخ: اللهُ المستعان اللهُ المستعان، ايش بعدَه؟ فصّل ولّا ايش؟
- القارئ: لا، أحسن الله إليكم، فَإِنّ خاصيّةَ العقلِ إِيثَارُ أَعلَى المحبوبين على أدناهُما، وَاحْتِمَالُ أدنى المكروهين ليتخلّصَ بِهِ من أعلاهُمَا. وَبِهَذَا الأَصلِ تُعرفُ عقولُ النَّاس، وتُمَيِّزُ بَين الْعَاقِل وَغَيرِه.
- الشيخ:
ونعم ايش؟ وبهذا
- القارئ: وَبِهَذَا الأَصل تُعرفُ عقولُ النَّاس وتُمَيِّزُ
- الشيخ:
يمكن يمكن تَعرفُ، يمكن أنّها تَعرفُ عقول الناس؟ نعم، وتُمَيِّزُ.. أو وتُمَيَّزُ، نعم وتُمَيَّزُ
- القارئ: أحسن الله إليكم، وبهذا الأصل تُعرَفُ عقولَ
- الشيخ:
عقولُ النّاس
- القارئ: تَعرِفُ
- الشيخ:
اي عقول الناس
- القارئ: عقولَ النّاسِ وتميِّزُ بين العاقلِ وغيرِه
- الشيخ:
نعم
- القارئ: وَيظهرُ تفاوتُهم فِي الْعُقُول، فَأَيْنَ عقلُ من آثرَ لَذَّةً عاجلةً مُنغَّصةً مُنكَّدةً إِنَّمَا هِيَ كأضغاث أَحْلَامٍ أَو كطيفٍ يُمتَنَعُ بِهِ من زَائِرُه فِي المَنَام على لِذَّةٍ هي من أعظمِ اللذَّات.
- الشيخ:
نعم بعده
- القارئ: أَو كطيفٍ يَمتنَعُ بِهِ من زَائِره
- الشيخ:
ما هي واضحة يمتنع يمتنع به؟
- القارئ: كأنّها يُمَتَّعُ
- الشيخ:
أي جميل، عندك؟
- القارئ: أي نعم
أَو كطيفٍ يُمتَّعُ بِهِ من زَائِرُه فِي المَنَام
- الشيخ: أو كطيفٍ يَتَمَتَّعُ به من زارَهُ، من زارَه نعم، نعم يتمتّعُ به من زارَهُ في المنام.
طَيفٌ: حلمٌ، حلمٌ لذيذ، يعني حلمٌ لذيذٌ يرى الإنسانُ في منامه شيء لذيذ يأكُلُه أو يرى أنّه يُجامعُ امرأةً يتمتّع بها، طيفٌ خيالٌ زائلٌ كطيف، نعم، زار في المنام.
- القارئ: أَو كطيفٍ يُمَتَّعُ بِهِ من زَائِره فِي الْمَنَام على لذَّةٍ هِيَ من أعظمِ اللذَّات، وفرحةٍ ومسرّةٍ هِيَ من أعظمِ المسرّاتِ، دائمة لَا تَزُولُ وَلَا تفنى وَلَا تَنْقَطِع، فَبَاعَهَا بِهَذِهِ اللَّذَّة الفانية المُضمحلّة الَّتِي حُشيَت بالآلام، وَإِنَّمَا حصلت بالآلام، وعاقبتُها الآلام.
فَلَو قايَسَ الْعَاقِلُ بَين لذّتها وألمِها ومضرّتِها ومنفعتِها لاستحيَا من نَفسِه وعقلِه كَيفَ يسْعَى فِي طلبَهَا ويُضيّعُ زَمَانَه فِي اشْتِغَالِه بهَا، فضلاً عَن إيثارها على مَا لَا عينٌ رَأَتْ وَلَا أُذنٌ سَمِعت وَلَا خطرَ على قلب بشر، وَقد اشترى سُبْحَانَهُ من الْمُؤمنِينَ أنفسَهم.
- الشيخ:
باقي خلاص قف على هذا
- القارئ: أحسن الله إليكم
- الشيخ:
اللهُ أكبرُ، هذا كلامٌ عظيمٌ ينبغي لكلّ مسلمٍ عاقلٍ يطلبُ الخيرَ لنفسِه أن يتأمّلَ في مثل هذا الكلام الذي يرسُم الحقيقةَ في هذا التأصيل في ذكر هذه الستّة، والتنبيه على يعني أسبابِ تحقيقِها وأسبابِ فواتِها وما يترتّب كذلك على معرفتِها.
هذا يعني في الحقيقةَ يرسمُ الطريقَ في هذا الكلام، وكلُّ هذه الأمورِ الستّةِ كلّها إنّما تُعرفُ وتُستمَدُّ من كتاب الله وسنّة رسولِه، معرفةُ الأمرِ النّافعِ الحقيقي ومعرفةِ الطّريقِ إليه، وكذلك الأمر الضّارّ وكذلك الطّريق إليه ويبقى على العبد القيامُ به.
فهذه الأصولُ الأمورُ الستّةُ أربعةٌ منها طريقُها العلمُ، واثنانَ منها طريقُهما الصّبرُ، ولعلّنا سنعودُ إلى قراءتِها مرّةً أخرى إن شاء الله.