بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ
شرح (رسالة ابن القيّم إلى أحد إخوانه)
الدّرس السّادس عشر

***    ***    ***    ***
 
- القارئ: بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرّحيم، الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصّلاةُ والسّلامُ على المبعوث رحمةً للعالمين. قال ابنُ القيّمِ -رحمهُ اللهُ تعالى- في رسالتِه إلى أحدِ إخوانِه:
فصلٌ؛ وملَاكُ هَذَا الشَّأْنِ أَرْبَعَةُ أُمُور: نِيَّةٌ صَحِيحَةٌ..
- الشيخ:
ومِلاكُ هذا الأمرِ: بكسرِ الميم
- القارئ: أحسنَ اللهُ إليكم، ومِلاكُ هَذَا الشَّأْنِ أَرْبَعَةُ أُمُور: نِيَّةٌ صَحِيحَةٌ، وَقُوَّةٌ عاليةٌ، يقارنُهُما رَغْبَةٌ وَرَهْبَةٌ.
فَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ هِيَ قَوَاعِدُ هَذَا الشَّأْنِ، وَمهما دخلَ على العَبدِ من النَّقصِ فِي إيمَانِه وأحوالِه وَظَاهرِه وباطنِه فَهُوَ من نُقْصَانِ هَذِه الْأَرْبَعَة أَو نُقْصَانِ بَعْضهَا. فَلْيتَأَمَّل..
-الشيخ:
الله المستعان.
- القارئ: فَلْيتَأَمَّلَ اللبيبُ هَذِه الْأَرْبَعَةَ الْأَشْيَاءَ وليجعلها سِيَرَهُ وسُلوكَهُ، وَيَبْنِي عَلَيْهَا علومَه وأعمالَه وأقوالَه وأحوالَه، فَمَا نَتَجَ من نَتَجَ إِلَّا مِنْهَا وَلَا تَخَلَّفَ من تَخَلَّفَ إِلَّا من فَقَدَها..
- الشيخ:
مِن فَقْدِها.
- القارئ: إِلَّا من فَقْدِهَا. وَاللهُ أعلمُ، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ وَعَلِيهِ التُّكلانُ وَإِلَيْهِ الرَّغبَةُ، وَهُوَ المسؤولُ بِأَنْ يوفِّقَنَا وَسَائِرَ إِخْوَاننَا من أهلِ السُّنّةِ لتحقيقِها علماً وَعَملاً إِنَّه وليُّ ذَلِك والمانُّ بِهِ وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل. انتهى ولله الحمد والمِنَّة.
- الشيخ:
رحمهُ اللهُ، لا إله إلّا الله، يُقرّرُ ابنُ القيّم في هذه الجملةِ ضرورةَ الإنسانِ في عملِهِ إلى هذه الأمورِ الأربعةِ، النِّيةُ، تصحيحُ وتصفيةُ النيّة، النيّةُ هي مرتكزُ العملِ وهي أساسُ العمل، (إنّما الأعمالُ بالنّيَّات) حسبُكَ، هذا بيانٌ شافٍ: (إنّما الأعمالُ بالنيّات) النيّة، فالعملُ مبناهُ على النيّة، كلّما كانت النيةُ أصحُّ وأصفى وأتمُّ كان العملُ بحَسَبِهَا.
والأمر الثاني: القوّةُ، يقولُ القوَّةُ العاليةُ، القوَّةُ على العملِ، فإنَّه قد يُؤتى الإنسانُ من العَجْزِ، وضد، فلابدَّ له من إرادةٍ صادقةٍ قويّةٍ، وقوّةٍ أيضاً يقدرُ بها، قدرة يقدرُ بها على القيامِ بما يريد. والأمر الثالث والرابع: الرّابعُ هو الرَّهبةُ.
قال سبحانَه وتعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا [الأنبياء: 90]؛ فالمؤمنونَ يعبدونَ اللهَ خائفينَ راجينَ.
أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَ [الإسراء:57].
تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا [السجدة:16]، فالمؤمنُ يعبدُ ربَّه راغباً في فضلِهِ وثوابِه، خائفاً من سَخَطِهِ وعذابِه، وكلّما كانت هذهِ الأمورُ أتمُّ وأقوى في العملِ كان العملُ كذلكَ بِحَسَبِه.