السؤال : الجلوسُ بين الظلِّ والشَّمس؛ هل يعمُّ النَّهي عنه حتى في المسجد؟ وهل يدخلُ في ذلك حدودُ الشَّمسِ والظِّلِّ النَّاتجِ عن النَّوافذِ المقسَّمة بمربعاتٍ صغيرة؟

 

الجواب : الحمدُ لله وحده، وصلَّى الله وسلَّم على مَن لا نبي بعده؛ أمَّا بعد :

فقد وردَ في النَّهي عن الجلوس بين الشَّمس والظِّلِّ أحاديث؛ منها ما هو حسنٌ ومنها ما هو صحيحٌ، وفيه تعليلُ ذلك بأنَّه مجلسُ الشَّيطان، وهذا يدلُّ على التَّحريم؛ لأنَّ التَّشبُّه بالشَّيطان حرامٌ؛ فإنَّه أولى بالتَّحريم مِن التَّشبُّه بأوليائه الكفار، ويشبه هذا تعليلُ النَّهي عن الأكل والشّرب بالشِّمال بأنَّه تشبُّه بالشَّيطان. [1]

ومِن تلك الأحاديث المشار إليها: ما رواه الإمامُ أحمد عن أبي عياض عن رجلٍ مِن أصحاب النَّبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم نهى أن يُجلَسَ بين الضِّح والظِّلِّ، وقال: (مَجْلِسُ الشَّيطَانِ)، قالَ الهيثمي: "رواه أحمد، ورجاله رجال الصَّحيح غير كثير بن أبي كثير، وهو ثقة"[2]، والضِّحُ -بكسر الضَّاد المشدَّدة- ضوءُ الشَّمس [3].

ومنها ما رواهُ أبو داود عن أبي هريرة عن النَّبيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنَّه قالَ: (إذا كانَ أحدُكم في الشَّمسِ -وقال مخلَد: فِي الْفَيْءِ- فَقَلَصَ عَنْهُ الظِّلُّ، وَصَارَ بَعْضُهُ فِي الشَّمْسِ وَبَعْضُهُ فِي الظِّلِّ، فَلْيَقُمْ) [4].

وقد علَّل العلماءُ ذلك بأنَّ النَّهيَّ يعودُ إلى مزاجِ البدن إذا تواردَ عليه ضدَّان؛ فإنَّه مضرٌّ به، وتعليلُ الحكم بِمَا علَّل به الشَّارع أحقُّ، وهو أنَّه مجلسُ الشَّيطان.

فنقول: لا يجوزُ للمسلمِ أن يتعمَّدَ الجلوس بين الظِّلِّ والشَّمس؛ فإنَّه بذلك يكون عاصيًا، وعلى مَن كانَ في الفيء فقلصَ عنه الظلُّ أن يقوم. ومَن كانَ في مجلسٍ مقابلٍ لنوافذ صغيرةٍ يقعُ عليه منها شعاعُ الشَّمس فالأولى له أن يتحوَّل؛ لأنَّ فيه شيئًا مِن معنى الجلوس بين الظِّلِّ والشَّمس، وليس له حكمه، ولهذا نقول: إنَّ البقاء في هذا المجلس مكروه.

وورودُ هذا الحكم يدلُّ على كمال الشَّريعة؛ إذ جاءت بالإرشاد إلى كلِّ الأسباب النَّافعة، والنَّهي عن كلِّ الأسباب الضَّارة، فعلى المسلم أن يلزمَ العمل بهذه الشَّريعة، بِمَا جاءت به مِن الأحكام في جميع الأحوال، فالخيرُ كلُّه في ذلك والشَّرُّ في المخالفة، والله أعلم.

 

قال ذلك:

عبدُ الرَّحمن بن ناصر البرَّاك

حرر يوم الأحد منتصف شوال 1441هـ

 

[1] - وهو ظاهر قول قتادة فروى عبد الرزاق في المصنف (19800) عن معمر عنه قال: "يكره أن يجلس الإنسان بعضه في الظل، وبعضه في الشمس ". والكراهة عند السلف تعني التحريم. تنظر أوجها أخرى مقوية للتحريم في: اللباب شرح فصول الآداب لعبد الله بن مانع الروقي (ص341-344).

[2] - أخرجه أحمد (15421) حدثنا بهز، وعفان، قالا: حدثنا همام، قال عفان في حديثه: حدثنا قتادة، عن كثير، عن أبي عياض، عن رجل، من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فذكره. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (8/60 رقم 12927): "رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير كثير بن أبي كثير، وهو ثقة" وقد وثقه العجلي (1408)، وابن حبان (5087). وقد تابع بهزا وعفان عبد الله بن رجاء فقال: حدثنا همام به إلا أنه سمى الصحابي أبا هريرة. أخرجه الحاكم (7710) وقال: " صحيح الإسناد " وعبد الله بن رجاء -وهو الغداني -صدوق يهم قليلا، كما في التقريب (3312) ولعل وهمه هنا في تسمية الصحابي. وله شاهد من حديث بريدة- دون قوله: مجلس الشيطان- عند ابن أبي شيبة في المصنف -ط كنوز إشبيليا- (27641)، ومن طريقه ابن ماجه (3722)، زيد بن الحباب، عن أبي المنيب، عن ابن بريدة، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم: «نهى أن يقعد بين الظل والشمس» وأبو المنيب -وهو عبيد الله بن عبد الله العتكي- صدوق يخطئ. كما في التقريب (4312) والحديث صححه الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه كما في المسائل في رواية الكوسج عنهما (9/4868 رقم 3569)، المنذري في الترغيب والترهيب ط المعارف (4432)، والألباني في الصحيحة (838) و(3110).

[3] - ينظر: النهاية لابن الأثير (3/75).

[4] - أخرجه أبو داود (4821) عن أحمد بن عمرو ابن السرح ومخلد بن خالد، قالا: حدثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، قال: حدثني من سمع أبا هريرة يقول: قال أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم -: فذكره. وهذا إسناد ضعيف لجهالة الراوي أن أبي هريرة. وأخرجه بنحوه أحمد في مسنده (8976) من طريق عبد الوارث، عن محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة مرفوعا. وهذا إسناد منقطع، فإن محمد بن المنكدر لم يسمعه من أبي هريرة ينظر: تاريخ يحي بن معين برواية الدوري (713). ثم اختلف في رفع الحديث ووقفه، فرواه عبد الوارث وابن عيينة مرفوعا كما تقدم. وأخرجه موقوفا عبد الرزاق (19799)، عن معمر، عن ابن المنكدر، عن أبي هريرة قال: "إذا كان أحدكم في الفيء فقلص عنه فليقم فإنه مجلس الشيطان". وأخرجه عبد الرزاق (19801)، عن إسماعيل بن إبراهيم بن أبان، قال: سمعت ابن المنكدر يحدث بهذا الحديث عن أبي هريرة.

قال الألباني في الصحيحة (7/301 رقم 3110) " ولعل رواية سفيان هذه أصح وصلاً ورفعاً، أما الوصل؛ فلأن ابن المنكدر لم يسمع من أبي هريرة كما ذكروا في ترجمته. وأما الرفع؛ فلرواية أبي عياض المتقدمة عن أبي هريرة، ولعل أبا عياض هذا هو الواسطة بين ابن المنكدر وأبي هريرة. " يشير للحديث السابق وقد تقدم ذكره وشواهده.