السؤال : هل ثبتَ إجلاسُ النَّبي على العرش على ما جاء عن مجاهد في ذلك؟ وهل هذا الأثر له حكم الرفع؟

 

الجواب : الحمدُ لله، وصلَّى الله وسلَّم على محمَّد، أما بعد:

فالأثرُ الواردُ في ذلك عن مجاهد -رحمه الله- أثرٌ عظيم مِن حيث مدلوله، والأصل أنَّه لا يثبت مثله إلا بخبر عن المعصوم ﷺ، ولا أعلمُ أنَّه ثبتَ ذلك مرفوعًا، ولذا يَستشكل طالبُ التَّحقيق هذا الأمر العظيم بمجرَّد قول "مجاهد"، هذا؛ ولا أعلمه رفَعه إلى ابن عباس، فهو مِن نوع المقطوع في اصطلاح المحدِّثين، ولكن الأئمة مِن أهل السُّنة يذكرونه ويُقِرونه، وهو ممَّا تلقَّوه بالقبول، وقالوا: لا ينكره إلا جهميٌّ،[1] ولا ريبَ أنَّ مَن ينكره لتضمُّنه استواءَ الله على عرشه فهو جهميٌّ حقًّا، أما مَن ينكره أو يتوقف فيه لعدم الدَّليل النَّاهض لإثبات مثل هذا المعنى فلا لومَ عليه، لكن يرد عليه مخالفته لأئمة السُّنة الذين يثبتون هذا الأثر وما دلَّ عليه، وهم قدوة طالب الحق في مسائل الاعتقاد التي أعظمها ما يتعلَّق بشأن الله سبحانه، قال الآجري -رحمه الله- لمَّا ذكر ما خصَّ الله به نبيَّنا محمدا ﷺ من المقام المحمود، وهو الشفاعة والجلوس على العرش، قال: "إنَّ العلماءَ تلقوا هذه الخصائص بأحسن القبول، فالحمدُ لله على ذلك".[2]

ومِن المناسب هنا اقتباسُ بعض كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله؛ لِما عُرفا به مِن التَّحقيق والتَّحرير لمعتقد أهل السُّنة في باب أسماء الله وصفاته وغيره، قالَ شيخُ الإسلام عن أثر مجاهد: "الثابت أنَّه عن مجاهد وغيره من السلف، وكان السلف والأئمة يروونه ولا ينكرونه"،[3] وقال شيخُ الإسلام أيضًا:" إذا تبيَّن هذا فقد حدَّث العلماء المرضيون وأولياؤه المقبولون: أنَّ محمَّدا رسولَ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يجلسه ربُّه على العرش معه، رَوى ذلك محمد بن فضيل عن ليث عن مجاهد؛ في تفسير: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79]، وذكرَ ذلك مِن وجوه أخرى مرفوعة وغير مرفوعة، قالَ ابنُ جرير: وهذا ليس مناقضًا لما استفاضت به الأحاديث مِن أنَّ المقام المحمود هو الشَّفاعة باتفاق الأئمة مِن جميع مَن ينتحل الإسلام ويدَّعيه، لا يقول إنَّ إجلاسه على العرش منكرٌ،  وإنَّما أنكره بعض الجهميَّة، ولا ذِكْره في تفسير الآية منكر".[4]

وقالَ ابنُ القيم -رحمه الله- في بدائع الفوائد: " قال القاضي: (صنف المروزي كتابا في فضيلة النبي ﷺ وذكر فيه إقعاده على العرش، قال القاضي: وهو قول أبي داود..)" وعدَّ القاضي جماعة كثيرة مِن أهل السُّنة، ثم قال ابن القيم: "قلت: وهو قول ابن جرير الطبري، وإمامُ هؤلاء كلهم مجاهد إمام التفسير، وهو قول أبي الحسن الدارقطني، ومن شعره فيه:[5]

حَدِيثُ الشَّفَاعَةِ في أَحْمدٍ         إِلَى أَحْمدَ الْمُصْطَفى نسنده

وَجَاء الحَدِيث بإقعاده            على الْعَرْش أَيْضا فَلَا نجحدهْ

أمرّوا الحَدِيث على وَجهه        وَلَا تُدخلُوا فِيهِ مَا يُفْسِدهْ

ولا تُنكِرُوا أنَّه قاعدٌ             ولا تنكـروا أنه يقعـدهْ   [6]

وقالَ ابنُ القيّم في النونيَّة:

واذكر كلام مجاهد في قوله    " أَقِمِ الصَّلَاةَ " وتلك في سُبحان

في ذكر تفسير المقام لأحمد      مــا قيـل ذا بالرأي والحُسبان

إن كان تجسيما فإن مجاهدا      هو شيخهم بل شيخه الفوقاني

ولقد أتى ذكر الجلوس به وفي     أثـر رواه جعفـر الرَّبـانــي

أعني ابن عم نبينا وبغيره         أيضا أتـى والحـق ذو التبيـان

والدارقطني الإمام يثبت الـ     آثـار في ذا البـاب غير جَبَـان

وله قصيد ضُمِّنَت هذا وفيـ     ـها: لست للمَرْوِيِّ ذا نكران[7]

وبعد: فلا عدول عن سبيل أولئك الصَّفوة مِن الأئمة، فنحن لهم مقلدون، ونسألُ الله أن يهدينا سواء السبيل، فهو تعالى الهادي والدليل، والله أعلم.

 

أملاه:

عبدالرَّحمن بن ناصر البرَّاك

في 3 جمادى الآخرة 1442هـ

 

[1] -ينظر: السنة للخلال (1/214) وما بعدها.

[2]- الشريعة (4/1604).

[3]- ينظر: درء التعارض (5/237).

[4]- مجموع الفتاوى (4/374) وما نقله عن ابن جرير؛ هو بمعناه في تفسيره- ط هجر- (15/51-53).

[5] - نسب هذه الأبيات للدارقطني: الدشتي في إثبات الحد (ص191-192 رقم 55)، والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات -ط غراس- (ص531-532)، والذهبي في العرش (رقم 258).

[6]- بدائع الفوائد -ط المجمع- (4/1379-1380).

[7]-الكافية الشافية -ط المجمع- (رقم:1757-1763).