السؤال : هل يصحّ الاستدلال: بأنّ الله لم يكلّم محمدًا -صلَّى الله عليه وسلَّم- بلا واسطة؛ احتجاجًا بأنّه: لو حصل ذلك لكان خصيصة له لم يترك ربنا سبحانه وتعالى بيانها في كتابه نظير ما حصل لموسى -عليه السلام- حيث ذكر في الكتاب والسُّنة تكليم الله له عز وجل؟

 

الجواب : الحمدُ لله، وصلَّى الله وسلَّم على محمَّد، أما بعد:

فظاهر ما جاء في حديث المعراج أنَّ الله كلَّم نبيَّه ورسوله محمدًا -صلَّى الله عليه وسلَّم- حين فرض عليه الصلوات الخمس، وقد جاءَ في الحديث أنَّه راجع ربَّه مرات، وهو تعالى يكلمه في ذلك، ويخفف عنه،[1] وإذا صحَّ الاستدلال بحديث الإسراء أنَّ الله كلَّمه -صلَّى الله عليه وسلَّم- فلا يلزم مِن ذلك أن يذكر في القرآن، وهذا الملازمة دعوى تفتقر إلى دليل، ولا أعلم أنَّ السَّلف اختلفوا في تكليم الله لنبيه -صلَّى الله عليه وسلَّم- عند فرض الصَّلوات الخمس، وإنَّما اختلفوا في الرؤية،[2] والظَّاهر أنَّ أهل السُّنة مجمعون على أنَّ الله كلَّمه، وإذا قامَ الدَّليل على ثبوت التَّكليم فعدم ذكر ذلك في القرآن لا يُبطِل ما قام عليه الدليل، ولعلَّه لم يذكر ذلك في القرآن لحكمة، والله تعالى يفعلُ ما يشاء، ومَن يزعم أنَّه لو كان ذلك لذكره الله فإنَّه يوجبُ على الله بعقله أن يفعل ما لم يفعله سبحانه وتعالى، فالحقُّ أن الله كلَّم محمَّدا صلَّى الله عليه وسلَّم، وليس مِن شرط هذه الفضيلة أن تذكر في القرآن. والله أعلم.

 

أملاه:

عبدالرَّحمن بن ناصر البرَّاك

11جمادى الآخرة 1442هـ

 

[1] - أخرجه البخاري (349)، (3342) (3887)، (7517) ومسلم (162)، (163)، (164) عن أنس ومالك بن صعصعة، وحديث الإسراء والمعراج متواتر. ينظر: نظم المتناثر (رقم 258)، والإسراء والمعراج وذكر أحاديثهما وتخريجها وبيان صحيحها للألباني.

[2] - ينظر الخلاف في: التوحيد لابن خزيمة (2/477-563)، والشفا للقاضي عياض -ت كوشك- (ص245-253). وينظر توجيه هذه الآثار والجمع بينها في: بيان تلبيس الجهمية (7/179-187)، وجامع المسائل (1/105-108).