السؤال : فضيلة الشيخ: جاء في الحديث "مَن كانتِ الدُّنيا هَمَّهُ، فرَّقَ اللَّهُ علَيهِ أمرَهُ، وجعلَ فَقرَهُ بينَ عينيهِ، ولم يأتِهِ منَ الدُّنيا إلَّا ما كتبَ لَهُ، ومن كانتِ الآخرةُ نيَّتَهُ، جمعَ اللَّهُ لَهُ أمرَهُ، وجعلَ غِناهُ في قلبِهِ، وأتتهُ الدُّنيا وَهيَ راغِمةٌ"[1]، والسؤال ما هو المعنى اللطيف في ورود لفظ "النية" في الآخرة، ولفظ "الهمّ" في الدنيا؟

 

الجواب : الحمدُ لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، أما بعد:

فالهمّ أقوى مِن مطلق النيَّة، والنيَّة أعمّ مِن الهمّ، والمذمومُ أن تكونَ الدُّنيا هي موضع همّه، والمحمودُ أن تكونَ الآخرةُ هي نيَّته في أمر دينه ودنياه، فالنيَّة هي القصد، ومَن كانت الآخرة نيَّته فمقصوده في جميع أمره هي الآخرة، في أكله وشربه ولباسه وأخذه وعطائه ودخوله وخروجه وحبّه وبغضه، وأمره كلّه، مِن أجل ثواب وسعادة الآخرة، وعلى هذا فمَن كانت نيَّته الآخرة فإنَّ همّه في الدنيا نيَّته فيه الآخرة، فتكون الدنيا على هذا تابعة لمقصوده الأعظم وهو الآخرة، فالمؤمنُ الصَّادق -وإن حرص على أمور الدنيا- فإنَّه نيَّته فيها الآخرة، فيحرصُ على مصالح الدنيا لتكون عونًا له، وكأن المعنى: مَن كانت الدنيا همّه وليس له نيَّة في الآخرة فهو المذمومُ المتوعد، ومَن كانت همّته في الدنيا تابعة لنيَّته في الآخرة فلا يلحقه ذمٌّ في همّ الدنيا.

ومَن كانت نيَّته في جميع ذلك الدنيا: كان أحقّ بالذمّ والوعيد؛ لأنَّ عمله حينئذٍ كلّه لغير الله، كما قال تعالى: من كانَ يُريدُ الحَياةَ الدُّنيا وَزينَتَها نُوَفِّ إِلَيهِم أَعمالَهُم فيها وَهُم فيها لا يُبخَسونَ*أُولئِكَ الَّذينَ لَيسَ لَهُم فِي الآخِرَةِ إِلَّا النّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعوا فيها وَباطِلٌ ما كانوا يَعمَلونَ، والله أعلم.

 

أملاه:

عبدالرَّحمن بن ناصر البراك

في 1 - 11 - 1442هـ

 

 

[1]- أخرجه ابن ماجه (4105)، والطيالسي (617)، والدارمي –الشطر الثاني منه- (235)، وابن حبان (680) من حديث زيد بن ثابت، وهذا لفظ ابن ماجه.

أخرجه الترمذي (2465) من حديث أنس بنحوه. وفي الأحاديث تقديم وتأخير في الألفاظ مما يشير إلى تصرف الرواة ورايتهم الحديث بالمعنى. والله أعلم. وينظر: الصحيحة (رقم 949).