السؤال : أطلقَ العلماءُ على أنَّ علمَ التَّأثير -الذي هو أحد نوعي التَّنجيم- أنَّه شرك، وهذا الإطلاق يشكلُ عليه أنَّ للأحوال الفلكيَّة تأثيرًا في الأحوال الأرضيَّة في صور معروفة، مثل تأثُّر البحر في حالي المد والجزر بالقمر، وتأثُّر النباتات والماء بأشعة الشَّمس، وتأثير الشمس في النمو حتى في الإنسان، فإطلاق الشرك على علم التَّأثير يشكل عليه هذه الصور المعلومة، فما رأيكم في ذلك، وهل في المسألة تفصيل يزيل الإشكال؟

 

الجواب : الحمدُ لله، وصلَّى الله وسلَّم على محمَّد، أما بعد :

فنعلمُ قطعًا أنَّ الذين قالوا عن علم التأثير: "إنَّه شرك" يعلمون ما ذكرتَ -أيها السائل- مِن تأثير الشمس والقمر، ونعلم قطعًا أنَّهم لا يعنون بالشرك مثل هذا؛ فالتأثير المعلوم المشهود تأثيرٌ نعلم أن الله جعله في طبيعة هذه المخلوقات من الشمس والقمر، على أننا نقول: إن المدَّ والجزرَ ليس بتأثير القمر، بل ذلك مِن قبيل الاقتران الزمني؛ فلا علاقة للقمر بمدِّ البحرِ وجزرِهِ، بل هذا الاقترانُ بتقدير الله تعالى، ودعوى أنَّه بتأثير القمر يفتقر إلى دليل.

وأما التأثير الذي هو شركٌ فهو تأثيرٌ يزعمه المنجِّمون، ولا أصل له شرعًا ولا قدَرًا، كالنَّحْس والسَّعْد الذي يضيفونه إلى الطوالع، فيقولون: طالع نَحس وطالع سَعد، وكذا ما يزعمونه من تأثير هذه الطَّوالع في المواليد صلاحًا وفسادًا، وسعادةً وشقاءً؛ فهذا هو الشرك، فمَن يزعم أن هذا التأثير يكون مِن النجوم استقلالًا عن مشيئة الله فهو شرك أكبر من الشرك في الربوبية، ومَن يزعم أن الله جعل فيها هذا التأثير، وأنَّ هذا التأثير واقع بمشيئة الله فهو مفترٍ على الله؛ إذْ لا دليل على ما يزعمونه من ذلك من كتاب ولا سنة ولا معقول ولا هو معلوم بحسٍّ، فهذا هو الذي قصد العلماء بعلم التأثير، وحكموا عليه بأنه شرك، فمَن زعم ذلك بالنجوم فقد وقعَ في نوع من شرك الربوبية؛ فإنْ تقرَّب إلى هذه النجوم بشيء مِن أنواع العبادة والقُربات فقد جمعَ بين الشرك في الربوبيَّة والشرك في العبادة، وهذا هو الواقع من المنجِّمين الكفرة عُبَّاد الكواكب، كقوم إبراهيم -عليه السلام-،[1] فيجبُ الفرق بين التأثير المعلوم بالأدلة الشرعيِّة والحسِّيَّة، والتأثير المزعوم الذي لا أصل له. والله أعلم. 

 

أملاه:

عبدالرَّحمن بن ناصر البرَّاك

في 22 ذي القعدة 1442 هـ

 

[1] - ينظر أقسام التنجيم في: تيسير العزيز الحميد (2/781-782)، (2/792) وما بعدها.