السؤال: ما قول فضيلتكم في الرَّجل يقول لصاحبه: إن أنتَ قُتلْتَ في سبيلِ الله فأرجو ألَّا تنساني في الموقف فتشفعَ لي عند الله، هل يجوزُ طلب الشَّفاعة بهذه الصورة؟ وهل طلب الشَّفاعة خاصٌّ بالآخرة؟ وإذا كانت ممنوعة فهل هي شرك أو بدعة محرمة؟ ابسطوا لنا الجواب بسطَ الله لكم في أرزاقكم.

 

الجواب: الحمدُ لله، وصلَّى الله وسلَّم على محمَّد، أما بعد:

فهذه الطَّريقة في طلب الشَّفاعة لا أصل لها في الشَّرع؛ فلم يكن مِن هدي الصَّحابة -رضوان الله عليهم- طلب الشَّفاعة مِن بعضهم يوم القيامة، وهم يجاهدون في سبيل الله، ويتعرَّضون للشَّهادة، ويعلمون ما للشهيد مِن فضل، بل لم يكونوا يطلبون مِن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أن يشفع لهم يوم القيامة، وهو سيِّد الشفعاء، وإنَّما يسألونه الشَّفاعة في الدنيا، أي: يطلبون منه الدعاء فيما ينفعهم عمومًا وخصوصًا، ودعاءُ المسلم للمسلم في الدنيا شفاعة، كما في الدّعاء للميت في صلاة الجنازة، فقد سمَّاه النَّبي -صلى الله عليه وسلم- شفاعة، كما في الحديث: «ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلًا، لا يشركون بالله شيئًا، إلا شفعهم الله فيه» رواه مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما. [1]

وأمَّا الشَّفاعة في الآخرة فإنَّها موقوفة على إذن الله؛ فلا أحد يشفع لأحد إلا بإذن الله، حتى في الشَّفاعة العامة لأهل الموقف فإنَّ الرّسلَ يَترادُّون الشَّفاعةَ حتى تنتهي إلى نبيّنا محمَّد -صلى الله عليه وسلم-، ثم إنَّه لا يشفع حتى يأتي ويسجد ويحمد ربَّه ويؤذن له في الشفاعة، ثم يأذن الله في شفاعة العباد بعضهم لبعض، فتشفع الملائكة، ويشفع النَّبيون، ويشفع المؤمنون، ثم يُخرج الله مِن النار بشفاعة الشَّافعين مَن شاء مِن عصاة الموحدين، وأعظم ذلك شفاعة نبيِّنا محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ فإنَّه يشفع أربع مرات، وفي كلِّ مرة يخرج قومًا مِن النار.[2]

هذا، وإنَّ الطَّالب للشَّفاعة مِن الشَّهيد يتخيّل أنَّ الإنسانَ يوم القيامة يتذكَّر أصحابه وأهله الذين كانوا في الدنيا، أو يظنّ أنَّه يلقاهم في مواقف القيامة فيطلبون منه الشفاعة، كيف يكون هذا، والله يقول: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:34-37]؟!

وأيضا؛ فإنَّ طلبَ الشَّفاعة مِن المعَيَّن الذي يُقتل في سبيل الله يتضمَّن الحكم له بالشَّهادة، وما يدريه؟! فلا الطَّالب ولا المطلوب يعلم هذه الحقيقة، بل الله أعلم بِمَن يُقتَل في سبيله، فإذا تبيَّن ذلك فليُعلم أن طلب الشَّفاعة على هذا الوجه بدعة مخالِفةٌ للشرع؛ لمخالَفة هدي السَّلف الصَّالح، ومخالفةٌ للعقل لعدم تصوّر حال الناس يوم القيامة، فالواجبُ الإنكار على مَن سلك هذه الطريقة، وبيان أنَّه لا فائدة فيها، ومَن أخلص الدين لله وصدق في توحيد الله شفَّع الله فيه نبيَّه -صلى الله عليه وسلم- ومَن شاء من ملائكته وأوليائه، والله أعلم.

 

أملاه:

عبدالرَّحمن بن ناصر البرَّاك

في 22 ذي الحجة 1442 هـ

 

[1] (948).

[2] أخرجه البخاري (7510) ومسلم (193) من حديث أنس رضي الله عنه. وحديث الشفاعة وتردد الناس على الأنبياء متواتر. ينظر: قطف الأزهار المتناثرة (ص303 رقم 112).