السؤال: إطلاق القول بأن الشرك الأصغر أكبرُ من كبائر الذنوب (فيما سوى الشرك) كالربا والفواحش والقتل، هل هو مستقيم؟ وهل يستقيم الاستدلال على ذلك بقول ابن مسعود رضي الله عنه: لأن أحلف بالله كاذبا أحبُّ إليَّ من أن أحلف بغيره صادقا"، وأخذُ قاعدة منه على سائر أنواع الشرك الأصغر وسائر الذنوب؟

 

الجواب: الحمد لله، وصلى الله وسلم على محمد، أما بعد:

فهذه المقولة -وهي أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر- مشهورةٌ [1] عن الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ذكرها في كتاب التوحيد في "بابٌ من الشرك لُبْس الحَلْقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه" تعليقًا على قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لعمران بن حصين -رضي الله عنه- لما دخل عليه وفي عضده حلقة من صُفر، فقال: «ما هذه؟» قال من الواهنة. قال صلى الله عليه وسلم: «انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنًا فإنك لو متَّ وهي عليك ما أفلحتَ أبدًا»،[2] قال الشيخ في مسائله: "الثانية: أن الصحابيَّ لو مات وهي عليه ما أفلح. فيه شاهد لكلام الصحابة أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر" اهـ،[3] يشير إلى قول ابن مسعود -رضي الله عنه-: "لأن أحلف بالله كاذبا أحبُّ إليَّ من أن أحلف بغيره صادقًا"،[4] ونقل هذه العبارة عن الإمام من بعده أئمةُ الدعوة رحمهم الله جميعهم،[5] وورد في بعض أجوبة شيخنا عبد العزيز ابن باز -رحمه الله- أن الشرك الأصغر أشدُّ من الكبائر.[6]

ومضمون هذه المقولة أن الشرك الأصغر كالحلف بغير الله، أو قول القائل "ما شاء الله وشئت" أعظم من الزنا وأكل الربا وأكل مال اليتيم، وهذه كبائر عظيمة ورد فيها وعيد شديد في القرآن والسُّنة، قال فيها الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «اجتنبوا السبع الموبقات»، وذكر منها هذه الكبائر، متفق عليه[7]، ولا يخفى ما جاء في القرآن من الوعيد على كل واحدة منها.

ولم يأت مثل ذلك في الشرك الأصغر، ولم يستدل الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ولا غيره -فيما أعلم- على هذا الحكم، وهو أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر إلا بأثر ابن مسعود، وعندي أنه لو قيل: إن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر من بعض الوجوه، مثل أنه لا يُغفر، على القول بذلك[8]، وهو محلُّ نظر أيضا أعني القول بأنه لا يغفر، ومن وجه آخر وهو أن جنس الشرك أعظم من جنس سائر الذنوب؛ لأنه إخلالٌ فيما يستحقه الربُّ من إخلاص العبادة وإفراده بالتعظيم، فهذان وجهان لتقييد تلك المقولة، وبذلك يزول الإشكال، ويستقيم المقال.

وقول السائل: "وهل يستقيم الاستدلال على ذلك" إلخ، أقول: نعم؛ هذا موجَب كلام الشيخ الإمام، وفيه ما فيه، كما تقدم، والله أعلم.

 

أملاه:

عبدالرَّحمن بن ناصر البرَّاك

حرر في 8 صفر 1443 هـ

 

[1] ذكرها بنحوها ابن القيم وابن رجب. ينظر: مدارج السالكين -ط المجمع-(1/437-438)، وإعلام الموقعين- ت مشهور- (6/571-572) والتخويف من النار لابن رجب (ص283).

[2] ينظر: كتاب التوحيد-ط مكتبة أهل الأثر- (ص141) وما بعدها.

[3] أخرجه أحمد (20000)، وابن ماجه مختصرًا (3531)، واختُلِف في هذا الحديث؛ فصححه ابن حبان (6085)، والحاكم-ط الحرمين- (7582)، وضعفه الألباني في الضعيفة (1029).

[4] أخرجه عبد الرزاق (15929)، والطبراني في الكبير (8902) وقال المنذري في الترغيب والترهيب (4480): رواته رواة الصحيح وبنحوه قال الهيثمي في المجمع-ط دار الفكر- (4/318 رقم 6899)، وصححه الألباني في الإرواء (2562).

[5] ينظر: الدرر السنية (1/328)، (2/308)، (11/496)، ومجموعة الرسائل والمسائل النجدية (2/36).

[6] فتاوى نور على الدرب- ترتيب الشويعر- (4/52)

[7] أخرجه البخاري (2766)، ومسلم (89) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[8] تنظر فتوى لشيخنا في الموقع الرسمي بعنوان: "هل الشرك الأصغر يغفره الله وتحرير رأي شيخ الإسلام في المسألة".