السؤال : قرأت لشيخ الإسلام عند نقاشه لطوائف من الفلاسفة عن قولهم: (لا يصدر عن الواحد إلا واحد)، ورأيته أطال في المناقشة؛ ولم أفهم هذه المسألة الكلامية فهمًا جيدًا، فرجعتُ إلى كلامه في مواطن من كتبه كشرح الأصفهانية[1] وغيرها، كما قرأتُ كلامًا لبعض المعاصرين فلم يفتح لي، فلعلكم تبسطون القول فيها جزاكم الله أوفى الجزاء وأتمه.

وما معنى قولهم: "لا يصدر عن الواحد إلا واحد = أصل فلسفي"، وقولهم: "لا يصدر واحد إلا من الواحد = أصل كلامي"؟ مع بيان ذلك، وقد جمعتُ معظم المواضع التي تكلم فيها شيخ الإسلام عن هذه القاعدة في كتبه، فإن رأيتم أهمية تدوينها كتبتها هنا، وجزاكم الله خيرًا وكتب أجركم تامًا غير منقوص.

 

الجواب : الحمد لله، وصلى الله وسلم على محمد، أما بعد:

فمقولة "أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد" ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية نقلًا عن الفلاسفة، كما ذكر السائل، وشيخُ الإسلام يذكرها كثيرًا في كتبه،[2] ويؤكد أنها دعوى باطلة، يقول: إن الواحد لا يصدر عنه شيء، لا واحد ولا اثنان، إلا الله الواحد الذي خلق الأزواج كلَّها، فقد صدر عنه كلُّ الموجودات،[3] وبناءً على ذلك يقول الشيخ رحمه الله: ليس في المخلوقات سببٌ واحدٌ يصدر عنه شيء؛ فالشيء لا يصدر إلا عن شيئين فأكثر، فالسبب مفتقر إلى سبب آخر يُعِينه في حصول مسبَّبِه، ولا بد من زوال ما يمنع تأثيره، وهذه الأمور الثلاثة مرجعها إلى مشيئة الله؛ فهو خالق السَّببِ والسَّببِ المعين له، وهو تعالى الذي يزيل ما يمنع تأثيره، فعاد التأثير كلُّه في هذا الوجود إلى مشيئة الله، وبذلك كانت الأسباب والمسبَّبات كلُّها خلقًا لله تعالى، ويوضح ذلك ببعض الأمثلة.[4]

إذن: فمقولة الفلاسفة: "لا يصدر عن الواحد إلا واحد" باطلةٌ عقلًا وشرعًا وواقعًا، وهم يقولون: إن الله واحد من كل وجه، فيلزم على قولهم: "إن الشيء الواحد لا يصدر عنه إلا واحد"؛ ألَّا يصدر عن الله إلا شيءٌ واحدٌ، هذا وقد صدر عن الله بقدرته ومشيئته ما لا يحصى من الأشياء، فتبيَّن أن هذه المقولة لا تصحُّ في حقِّ الله، ولا تصحُّ في حقِّ شيءٍ من المخلوقات، هذا حاصل ما فهمتُه من كلام شيخ الإسلام، ولعلَّ في هذا الجواب مزيد توضيح. اللهم أرِنا الحقَّ حقًّا، والباطل باطلًا، ولا تجعله ملتبسًا علينا.  

 

أملاه:

عبدالرَّحمن بن ناصر البرَّاك

حرر في 25 صفر 1443 هـ

 

[1] ينظر: (ص321) (ص457)، (ص462) وما بعدها.

[2] ينظر: الرد على المنطقيين (ص258)، والصفدية (ص223) وما بعدها.

[3] التدمرية (ص211) وبشرح شيخنا (ص567).

[4] ينظر: درء التعارض (7/369-372) (9/339-342)، ومجموع الفتاوى (8/133-134).