السؤال : ذهب ابنُ حزم في "المحلى"[1] وابن القيم في "طريق الهجرتين"[2] إلى أن عصاة المسلمين الذين رجحت سيئاتهم على حسناتهم أنهم يعذبون على قدر ذنوبهم، ولا يدخلون تحت المشيئة، فما رأي فضيلتكم في المسألة، وما هو قول أهل السنة، وهل لهم نصٌّ صريح في المسألة؟

هذا، والله يحفظكم ويسدد أقوالكم ويتقبل أعمالكم.

 

الجواب : الحمدُ لله، وصلَّى الله وسلَّم على محمَّد، أما بعد:

ففي هذا الكلام إشكال، وهو الجزم بتعذيب من رجحت سيئاته على حسناته من أهل التوحيد، كيف يقال ذلك؟! والذي جاء في القرآن من وعيد من خفَّت موازينه هم الكفَّار، قال تعالى في سورة المؤمنون: وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [المؤمنون:103] الآيات، فلم يُذكر في القرآن مَن خفَّت موازين حسناته من عصاة المؤمنين، ولم يَذكروا دليلًا على أنَّ مَن رجحت سيئاتُه يعذب ولابد، لكنَ ذَكروا بعض الآثار عن بعض السلف، كقول حذيفة وعبد الله بن مسعود: "...ومن رجحت سيئاته على حسناته بواحدة دخل النار"،[4] وابن حزم نزَّل الآيات الواردة في الكفَّار على عصاة الموحدين، وهذا غلطٌ ظاهرٌ، وهذه عبارته: "ومن رجحت سيئاته بحسناته فهم الخارجون من النار بالشفاعة على قدر أعمالهم، قال تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ [القارعة:8-11]" اهـ.[5] فهذه الآيات في الكفَّار لا في عصاة المؤمنين، فهي كقوله تعالى: وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [المؤمنون:103] الآيات. 

ومضمون كلام الإمامين -رحمهما الله- أنَّ ثمَّةَ تلازمًا بين دخول النار ورجحان السيئات، فيُعلم أنَّ مَن دخل النار من أهل التوحيد هو ممَّن خفَّ ميزانه، أي: رجحت سيئاته على حسناته، وهذا هو الذي قلنا: لم يذكروا عليه دليلًا إلا بعض الآثار عن بعض السلف، كما تقدم.[6]

ومع التسليم لما قالوا، فما الدليل على أن أهل الكبائر الذين دخلوا النار من المؤمنين يعذَّبون على كلِّ سيئاتهم؟ فإنَّه لا يمتنع أنهم يعذَّبون على بعضها دون بعض، ومردُّ ذلك إلى مشيئة الله تعالى لقوله تعالى: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ[النساء:48]، فما يعذَّبون به هو بمشيئة الله، وما يُغفر لهم هو بمشيئة الله، وبهذا نعلم قطعًا أنهم داخلون في عموم: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ[النساء:48]، ولا دليل يخرج أحدًا عن هذا الوعد المقيَّد بمشيئة الله؛ فإن "مَن" مِن صيغ العموم، وعلى هذا فلا يصح القول بأن من خفَّ ميزانه خارجٌ عن عموم هذه الآية؛ فإن عذِّب فبمشيئة الله، وإن غُفِر له فبمشيئة الله. والله أعلم.

 

أملاه:

عبدالرَّحمن بن ناصر البرَّاك

حرر في  5 ربيع الأول 1443هـ

 


[1] (1/42 رقم 83) وينظر: الدرة فيما يجب اعتقاده (ص341)

[2] (2/837) وما بعدها، و(2/840).

[4] أخرجه نعيم في زوائد الزهد لابن المبارك (411). وينظر: تفسير الطبري (10/213).

[5] (1/42 رقم 83) وبنحوه في: الدرة فيما يجب اعتقاده (ص341).

[6] ووجه الشيخ حافظ الحكمي في الجمع بين قول أهل السنة أن من ارتكب حدًا لم يقم عليه فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه، وقولهم أن من رجحت سيئاته بحسناته تمسه النار ولا بد بأن من يشأ عز وجل أن يعفو عنه يحاسبه الحساب اليسير وأما الذين يدخلون النار بذنوبهم فهم ممن يناقش الحساب. ينظر: معارج القبول- ت محمد صبحي حلَّاق- (3/1214).