مقدارُ الخواف الواجب مِن الله


السؤال: ما مقدار الخوف الواجب مِن الله؟ فقد قرأتُ لبعض العلماء المعاصرين أنّ الخوف الواجب هو الذي يزعك عن المعصية، وما عداه فلا يضرّ تركه!؟

الجواب: الحمدُ لله، والصّلاة والسّلام على نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أمّا بعد:
فقد أمر الله المؤمنين بخوفه وخشيته، وأثنى على ملائكته وأوليائه بأنهم يخافونه ويخشونه، فقال تعالى:﴿فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾[آل عمران:175]، وقال: ﴿فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِي﴾ [البقرة: 150]، وقال: ﴿فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ﴾[المائدة: 44].
وفي معنى الخوف والخشية: الرّهبة والتّقوى، كما قال تعالى: ﴿وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾[البقرة:40]، ﴿وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ﴾[البقرة:41]. وقال تعالى عن الملائكة: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ﴾[النحل: 50]، وقال: ﴿وَهُم مِّنۡ خَشۡيَتِهِۦ مُشۡفِقُونَ﴾[الأنبياء:28]. وقال عن الأنبياء: ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ﴾[الأنبياء:90].
وقال عن الأولياء: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنۡ خَشۡيَةِ رَبِّهِم مُّشۡفِقُونَ﴾[المؤمنون:57]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ﴾[فاطر:18] وقال: ﴿ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ﴾[الأحزاب:39]، وقال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٞ﴾[الملك:12]
وفي معنى خوف الله: خوفُ عذابه وبطشه وغضبه، وخوفُ اليوم الذي يكون فيه: ﴿يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ﴾[النور: 37]، ﴿وَيَخَافُونَ يَوۡمٗا كَانَ شَرُّهُۥ مُسۡتَطِيرٗا﴾[الإنسان: 7]
والخوف مِن أعمال القلوب؛ كالتوكل والمحبّة، وهو يزيد وينقص، ويقوى ويضعف، وأهل الخوف هم فيه على درجات بحسب علمهم وإيمانهم؛ فمَن كان بالله أعرف كان منه أخوف، ومنشأُ خوف العبد ربَّه هو إيمانه بأنّه شديد العقاب، وأنّ بطشه شديد، مع الإيمان بإحاطة علم الله بما يُسِرُّ العباد وما يُعلنون، وإحاطةِ سمعه بما يقولون، ورؤيتِه لما يعملون، ولذا يُذكِّر الله بأسمائه الدّالة على إحاطة علمه وقدرته وإحاطة سمعه وبصره تحذيرًا عن معصيته، قال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا﴾[النساء: 58] إلى قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا﴾[النساء:58]، وقال: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾[المائدة:8]، وقال: ﴿قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ﴾[آل عمران:29]، وقال تعالى: ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُۚ﴾[البقرة:235]
والخوف منه واجب، ومنه مستحب، بل منه ما هو حرام: فأمّا الواجب فهو ما يمنع مِن الإقدام على الذنوب، وآكدُ ذلك وأوجبُه ما يمنع مِن كبائر الإثم والفواحش، ومنه: ما يمنع من الأمن مِن مكر الله وغضبه وعذابه، وهو كذلك من كبائر الذنوب، قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكۡرَ ٱللَّهِۚ فَلَا يَأۡمَنُ مَكۡرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾[الأعراف:99]، وهذا هو الخوف المشار إليه في السؤال.
وأمّا الخوف المحرّم فهو: ما يؤدّي إلى القنوط مِن رحمة الله واليأس مِن روح الله، فهذا مِن كبائر الذنوب، وهو ما لا رجاء معه، قال سبحانه: ﴿لَا يَاْيۡ‍َٔسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾[يوسف:87]، وقال: ﴿وَمَن يَقۡنَطُ مِن رَّحۡمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ﴾[الحجر:56]
وأمّا الخوف المستحبّ فهو: ما يحمل على ترك المكروهات وفضول الأعمال والأقوال، وعلى فعل المستحبات، ومعنى هذا: أنّ عدمَ هذا الخوفِ -وإن كان نقصًا- فإنّه لا يوجب إثمًا، لكن لا ينبغي أن يعبَّر عن عدم هذا الخوف بجواز تركه؛ لأنّ لفظ الترك يشعر بالقصد إلى عدمه، وفرقٌ بين عدم الخوف الناشئ عن قصد الترك؛ والعدم الناشئ عن الغفلة وغلبة الشهوة.
نسألُ الله أن يرزقنا خشيته في السّر والعلن، إنّه سميع مجيب، وصلّى الله وسلّم على محمّد، والله أعلم. حرر في: 20-3-1438 هـ

أملاه:
عبدالرّحمن بن ناصر البرّاك