السؤال: هل يستقيم أن يؤمِّن الدَّاعي على دعائه، فيقول مثلًا: "اللهم اغفر لي آمين، اللهم ارحمني آمين"؟ فمع كثرة الدعاء جدًا في القرآن والحديث وكلام الصحابة والسلف والعرب، لم أجد نحو ذلك إلا قليلًا في كلام العرب. والذي وجدته الآن في ذلك:

  • جاء عن الحسن البصري -وكذلك عن أبي حنيفة في قول- أنه أنكر تأمين الإمام بعد الفاتحة، وقال: لأنه الداعي، والداعي لا يؤمن على دعائه، وإنما يؤمن على دعاء غيره، ونص كلامه كما في كتب الفقه: (وعن الحسن: لا يقولها الإمام لأنه الداعي)، وعلى كثرة الكلام في هذه المسألة الفقهية لم أجد من رد حجة الحسن، وإنما يستدلون لذلك بثبوت التأمين عن الرسول -عليه الصلاة والسلام- وهو الإمام. أعني: أن كون الداعي لا يؤمن على دعائه أمر مستقر عندهم.
  • وفي «أدب الكاتب = أدب الكتاب لابن قتيبة» (ص378) عن (آمين): «وتقول للداعي "‌أمِينَ فَعَلَ الله كذا"»، وكذا في بعض كتب اللغة، فهل يعني هذا أنها تقال للداعي، ولا يقولها الداعي لدعاء نفسه.
  • جاءت (آمين) بعد قراءة الفاتحة في الصلاة للإمام والمأموم والمنفرد، فهل هذا يدل على الجواز؟ أو أن هذا من التأمين في الدعاء في الجمع، وهذا يصح في التأمين؛ لأن الداعي في الحقيقة داعٍ ومدعوٌّ له، أي: داعٍ لنفسه ولغيره ومدعو له مع غيره، وعلى ذلك لا باس بالتأمين في نحو ذلك، أو يقال: إن هذا منصوص عليه وغيره باقٍ على الأصل، ولولا ذلك لما اختلفوا في تأمين الإمام.   
  • مما جاء عن العرب في ذلك، وهذا كل ما وجدته: 

 1. سقى اللهُ حياً بينَ صارةَ والحمى  * * *   حمى فَيْدَ صوبَ المُدْجِنات المواطرِ

      أمينَ فأدّى اللهُ رَكْبـاً إليهـم    * * *    بخيـرٍ ووقّاهـم حِمـامَ المقـادِرِ

2. قال جبير لما سأل الأسدي المسمى بفطحل:

تباعد عني فطحل إذ سألته * * *  آمين فزاد الله ما بيننا بعدا

3. أَمِين وَمن أَعْطَاك مني هوادة * * *  رمى الله فِي أَطْرَافه فاقفعلت

4. يقول جرير:

مـا إِن تَـرَكــتَ مِـنَ البِـلادِ مَضِـلَّةً  * * *   إِلّا رَفَــعـــتَ بِهـا مَـنــاراً لِلهُـدى

أُعـطـيـتَ عـافِـيَــةً وَنَصراً عاجِـلاً  * * *  آمـيـنَ ثُـمَّ وُقـيـتَ أَسـبــابَ الرَدى

آمل تكرمكم بالجواب.

 

الجواب : الحمد لله، وصلى الله وسلم على محمد، أما بعد:

فقد قال الفقهاء والمفسرون وأهل اللغة: معنى (آمين) اللهم استجب،[1] فهذه الكلمة دعاء، وقد شرع الدعاء بها بعد الفاتحة للإمام والمأموم والمنفرد، أما الإمام والمأموم فلقوله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «إذا أمَّن الإمام فأمنوا»[2] الحديث، وعلى هذا فلا يلتفت لقول الحسن وأبي حنيفة: "لا يقولها الإمام لأنه الدَّاعي"[3]؛ لأنه مصادم للحديث الصحيح الصريح.

وأما المنفرد فسواء أكان مصلِّيًا أو تاليًا فقد ذكر المفسرون والقرَّاء أنها تسنُّ بعد الفاتحة،[4] وأما تأمين الداعي على دعائه -وهو موضوع السؤال- فيقال: إن الأصل الجواز، فما المانع من ختم الدعاء بدعاء، كما لو قال القائل: (اللهم تقبل منِّي) بعد ختم عمل من الأعمال الصالحة، لكن يبقى التردد: هل تأمين الدَّاعي على دعائه جائز أو سنة؟ الأظهر عندي أنه جائز، إلا بعد الفاتحة؛ فإنه سنة، وأما قول السائل: فمع كثرة الدعاء جدًّا في القرآن والحديث وكلام الصحابة والسلف والعرب، لم أجد نحو ذلك" إلخ، فأقول: إن عدم العلم ليس علما بالعدم.  والله أعلم.

 

أملاه:

عبد الرحمن بن ناصر البراك

في 25 جمادى الأولى 1443هـ

 


[1] ينظر: معاني القرآن للزجاج (1/54)، والمغني (2/163).

[2] أخرجه البخاري (780)، ومسلم (410).

[3]  السائل صادر عن الكشاف للزمخشري (1/125) وتمام كلام الزمخشري: "وعن الحسن: لا يقولها الإمام لأنه الداعي. وعن أبي حنيفة رحمه الله مثله، والمشهور عنه وعن أصحابه أنه يخفيها " وترك الإمام التأمين هو قول لمالك في رواية ابن القاسم ورواية الحسن عن أبي حنيفة. وينظر: المدونة (1/167)، والمبسوط (1/32).

[4] ينظر: زاد المسير (1/16)، وتفسير ابن كثير (1/145).