السؤال: هل يصحُّ الاستدلال بأنَّ الله لم يكلِّم محمدًا صلَّى الله عليه وسلَّم بلا واسطة؛ احتجاجًا بأنّه لو حصل ذلك لكان ميزة لم يترك ربنا بيانها في كتابه، نظير ما حصل لموسى عليه السلام؟

 

الجواب: الحمد لله، وصلى الله وسلم على محمد، أما بعد:

فالمقرر والمستقر عند أهل السنة أن الله كلَّم محمدًا -صلى الله عليه وسلم- ليلة المعراج حينما فرض عليه الصلوات خمسين، ثم لم يزل يراجع ربه بمشورة من موسى -عليه السلام- حتى خففها الله إلى خمس،[1] وعليه فقد أكرم الله نبيَّنا محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بالتكليم كما أكرم موسى، مع التفاوت في الكيفيَّة والكميَّة؛ فإن الله كلَّم موسى ثلاث مرات:

الأولى: بغير ميعاد، وذُكِر ذلك في عدد من سور القرآن: في القصص والنمل ومريم وطه.

والثانية والثالثة: بميعاد واعده ربُّه، كما في سورة الأعراف، والأولى منهما على رأس أربعين ليلة من مواعدته سبحانه لموسى، وهي التي طلب موسى من ربِّه النظر إليه، والثانية: هي التي أراد الله منه أن يأتي إليه، ويختار من قومه، فاختار سبعين رجلًا لميقات ربه، وهم الذين قالوا كما في قوله تعالى: يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ [البقرة:55] في سورة البقرة، وجاء ذلك في سورة النساء وفي الأعراف بلفظ الرجفة.

وأما نبيُّنا محمدٌ -صلى الله عليه وسلم- فقد كلَّمه الله مرات بعدد تردده طالبًا تخفيف ما فرض عليه من الصلوات الخمسين، وكما أكرمه الله بالتكليم أكرمه بالتقريب قرب مكان، وذلك بعدما عُرج به -صلى الله عليه وسلم- إلى ما فوق سبع سموات.

فهذه كرامةٌ ثابتةٌ لنبيِّنا -عليه الصلاة والسلام- بالسنة الصحيحة وإجماع أهل السنة، ولا يلزم لثبوت هذه الكرامة أن تُذكر في القرآن، ومن ادَّعى أن ذلك لازم فعليه الدليل، ولا دليل، فضلًا أن يُتخذ ذلك شبهة في نفي تكليم الله لنبيِّنا صلى الله عليه وسلم، ولا أظن ذلك إلا من بعض المتأخرين المعاصرين، ولا أصل له في كلام الأئمة المتقدمين والسلف الصالحين. والله أعلم

 

أملاه:

عبدالرحمن بن ناصر البراك

حرر في 14 شوال 1443هـ

 

 

[1] أخرجه البخاري (349)، (3342) (3887)، (7517) ومسلم (162)، (163)، (164) عن أنس ومالك بن صعصعة، وحديث الإسراء والمعراج متواتر. ينظر: نظم المتناثر (رقم 258)، والإسراء والمعراج وذكر أحاديثهما وتخريجها وبيان صحيحها للألباني.