السؤال: أشكل عليَّ قوله تعالى: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا [الأنفال:66]، كيف أن الله لم يعلم ذلك إلَّا الآن، هذا فهمي للآية، وهو مشكل عندي، فآمل منكم كشف هذا الإشكال عنِّي، جزاكم الله خيرًا، وزادكم علمًا وتوفيقًا.

 

الجواب: الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على محمد، أما بعد:

فإنَّ من أصول الإيمانِ: الإيمانَ بعلم الله القديم بكلِّ شيء، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الأنفال:75]، وقال: إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [النساء:32]، فلم يزل تعالى عليمًا، يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وقد ورد في القرآن آيات يظهر معها التعارض مع هذا الأصل، كقوله تعالى: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ [البقرة: 143]، وقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ[آل عمران:142]، وقوله: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت: 3].

وأحسن ما حُملت عليه هذه الآيات ونحوها -وبه يزول الإشكال والتعارض- أن المراد بالعلم علمُه تعالى بالشيء ظاهرًا موجودًا؛ فإنه تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه؛ فالمعدوم الذي سيوجد يعلمه تعالى معدومًا سيوجد، فإذا وُجِد عَلِمه موجودًا سبحانه وتعالى،[1] وبهذا يتبيَّن أن علم الله تعالى للأشياء نوعان: علمٌ سابق لوجود الشيء، وعلمٌ للشيء عند وجوده، وهذا العلم -أي الثاني- هو الذي تترتب عليه أحكام الدنيا والآخرة،[2] والآية المسؤول عنها وهي قوله سبحانه: الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا [الأنفال:66] هي من هذا النوع، أي: علم أن فيكم ضعفًا واقعًا موجودًا، وقبل ذلك كان الله عالمًا بأنه سيكون هذا الضَّعف، فترتَّب على علمه تعالى بضعفهم واقعًا موجودًا التخفيفُ فيما يجب الثبات له من عدد العدو، فكان يجب ثبات المؤمن الواحد للعشرة من الكفار، وبعد التخفيف أصبح يجب ثبات الواحد للاثنين.

ففي الحال الأولى قال تعالى: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال:65]، فكلُّ عشرة تقابل مئة، وفي الحال الثانية قال تعالى: فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ[الأنفال:66]، فقوبلت المئة بمئتين، فالمتجدد هو العلم بالشيء موجودًا، وقد كان العلم بأنه سيوجد، وبهذا الجواب يزول الإشكال، إن شاء الله.

 

أملاه:

عبدالرحمن بن ناصر البراك

حرر في 14 ذي الحجة 1443هـ

 

[1] ينظر: الرد على المنطقيين لابن تيمية -ت عبد الصمد الكتبي- (ص509-511).

[2] ينظر: التفسير البسيط (3/379) وأضواء البيان -ط المجمع- (1/104).