السؤال: قد يكون للإنسان أموال عند الآخرين من ثمن سلعة أو أجرة مسكن لم يطلبها صاحبها، ولم يجحدها مَن هي عليه، فربما اقترض منه وفي نيَّته أن يستوفي بذلك حقه الذي مضى عليه مدة قد تكون طويلة وربما يستحيي من طلبه أو تذكيره به، فلا ينوي رد المال، ولا يخبره أن ذلك مقابل ما عليه، وإنما يتركه هكذا، وكذا ما قد يكون له تعلّق بمسألة الظَّفَر التي يذكرها الفقهاء فيما لو أخذ منه مالًا، ثم امتنع من أن يرده فيتقاضاه منه بعدم دفع أجرة أو ثمن سلعة أو غير ذلك، وهكذا، في صور مشابهة، فما حكم الاستيفاء بهذه الطريقة؟

 

الجواب: الحمد لله، وصلى الله وسلم على محمد، أما بعد:

فالصورة المذكورة في السؤال هي من مسألة الظَّفَر المعروفة في الفقه عند العلماء، وللناس فيها مذاهب، ذكرها الإمام ابن القيم في "إعلام الموقعين"،[1] وهي الجواز مطلقًا، والمنع مطلقًا، والفرق بين الحق الذي له سبب ظاهر، فيجوز لصاحب الحق أن يأخذ من مال الذي عليه الحق إذا ظفر به ما يقابل الحق الذي له، كنفقة المرأة والولد والعبد، بخلاف ما ليس له سبب ظاهر، كالقرض وثمن المبيع، واختار ذلك ابن القيم، وهو اختيار شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله.[2]

ويستدل المانعون مطلقًا بالحديث المشهور: أدِّ الأمانة إلى مَن ائتمنكَ، ولا تخنْ مَن خانكَ رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وصححه الحاكم، عن أبي هريرة رضي الله عنه.[3]

والذي يترجح عندي -والله أعلم بالصواب- هو جواز التوصل إلى الحق بالاقتراض ممَّن هو عليه، ثم إعلامه ومقاصَّته؛ لأن هذا في الحقيقة ليس بخيانة، لكنها حيلة للوصول إلى الحق الذي لا ينكره مَن هو عليه، وردُّ الحق واجب، ومثل هذه الحيلة من الوسائل المباحة؛ إذْ لا دليل يدل على تحريمها؛ لأنها -كما قلنا- ليست من الخيانة في شيء، إذن فالصورة المسؤول عنها عندي أنها ممَّا يجوز من مسألة الظفر. والله أعلم.

 

أملاه:

عبدالرحمن بن ناصر البراك

حرر في 10 محرم 1444هـ

 

[1] بتحقيق مشهور حسن (5/427).

[2] ينظر: بيان الدليل على بطلان التحليل-ت حمدي السلفي- (ص175-175)، ومجموع الفتاوى (30/371).

[3] أخرجه أبو داود (3535)، والترمذي (1264)، وقال: " حديث حسن غريب "، وصححه الحاكم (2296). استنكره ابن أبي حاتم في العلل (1114)، وينظر: التلخيص الحبير (5/ 2085 رقم 1798)، والصحيحة (423).