السؤال: يذكر شرَّاح الحديث كالنووي وابن حجر وغيرهما عند حديث النَّهي عن رفع البصر إلى السماء في الصلاة:[1] أنه لا بأس برفع البصر إلى السَّماء حال الدعاء، وقالوا لأن السماء قِبلة الدعاء كما أن الكعبة قِبلة الصَّلاة. فهل هذا القول صحيح؟ أفادكم الله تعالى.

 

الجواب: الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على محمد، أما بعد:

فنقول: أمَّا رفع البصر إلى السَّماء حال الدعاء فلم يُنهَ عنه، فمِن أهل العلم مَن كرهه[2] قياسًا على النَّهي عنه في الصَّلاة، والأكثرون قالوا بالجواز، وعلَّل بعضُهم ذلك بأنَّ السَّماء قِبلة الدعاء،[3] وهذه دعوى لا دليل عليها، بل قِبلةُ المسلم واحدة في صلاته وجميع تعبداته مِن الذِكر وغيره، وهي الكعبة، وليس للمسلمين في عباداتهم قبلتان، قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "إنَّ المسلمين مجمعون على أنَّ القبلة التي يُشرع للداعي استقبالها حين الدعاء، هي القبلة التي شرعَ استقبالها حين ذكر الله، كما تُستقبل بعرفة والمزدلفة وعلى الصفا والمروة، وكما يُستحب لكلّ ذاكرٍ لله وداعٍ أن يستقبل القِبلة، كما ثبت عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّه كان يقصد أن يستقبل القبلة حين الدعاء، وكذلك هي التي يُشرع استقبالها بتوجيه الميت إليها، وتوجيه النسائك والذبائح إليها" اهـ من "بيان تلبيس الجهمية".[4]

والذين قالوا من شرَّاح الحديث: إنَّ السَّماء قِبلة الدعاء، كثيرٌ منهم يقصدون بذلك الجوابَ عن استدلالِ أهلِ السُّنة برفع الدَّاعي يديه وبصره إلى السماء؛ على أنَّ الله في العلو، وهو جوابٌ باطلٌ؛ لأمرين:

الأول: أنَّه لا دليل على أنَّ السَّماء قبلة الدعاء، كما تقدم.[5]

الثاني: أنه مبنيٌّ على باطل، وهو نفي علو الله تعالى.[6]

والحقُّ أن رفع اليدين والبصر إلى السماء راجع إلى مقتضى الفطرة، وهو استشعار علو الله، فيجد العبد عند الدعاء ضرورة إلى التوجه إلى العلو، ومِن خير ما يُستشهد به لذلك ما قاله أبو جعفر الهمذانيُّ،[7] وهو ينازع أبا المعالي الجويني، قال أبو جعفر: أخبرنا -يا أستاذ- عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا؛ فإنَّه ما قال عارف قط: "يا ألله" إلا وجد في قلبه ضرورة لطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة؟ قال: فضرب أبو المعالي على رأسه وقال: حيرني الهمَذاني، حيرني الهمَذاني.[8]

والخلاصة أنَّ رفع البصر في الصَّلاة إلى السَّماء حرام؛ لثبوت النَّهي والوعيد عليه، وأما رفع البصر عند الدعاء خارج الصَّلاة فجائز، كما تقدَّم، لعدم ما يدل على النَّهي عنه. والله أعلم.

 

أملاه:

عبدالرَّحمن بن ناصر البرَّاك

حرر في 23 محرم 1444هـ

 

 

[1] أخرجه البخاري (750) عن أنس رضي الله عنه، وأخرجه مسلم (428)، (429) عن جابر بن سمرة، وأبي هريرة رضي الله عنهما.

[2] منهم شريح وإبراهيم التيمي. ينظر: شرح البخاري لابن بطال (2/364).

[3] ينظر: إكمال المعلم (2/341)، وفتح الباري (2/233).

[4] (4/529).

[5] جاء في نتائج الأفكار (1/255): «وفي حديث ثوبان: "السماء قبلة الدعاء"، فلعل ذلك مراد من أطلق» أي من أطلق استحباب رفع البصر للدعاء بعد الوضوء. وليس في حديث ثوبان ما ذُكر. وقال الألباني في الضعيفة (‌‌6204) -ونقل كلام ابن حجر-: «لم أقف له على أصل ... ولا رأيت ذلك في كتاب من كتب السنة التي وقفت عليها»، وقال شيخ الإسلام في بيان تلبيس الجهمية (4/546): «ومعلوم أنه ليس في الكتاب والسنة ولا شيء من الآثار عن سلف الأمة ولا أئمتها ولا في الآثار عن الأنبياء المتقدمين كموسى وعيسى وغيرهما من المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين: أن العرش أو السماء قبلة للدعاء».

[6] ينظر: بيان تلبيس الجهمية (4/529) وما بعدها، وشرح الطحاوية (2/392).

[7] أبو جعفر الهمذاني: محمد بن الحسن بن محمد، الإمام الحافظ الرحَّال الزاهد بقية السلف والأثبات، وُلد بعد (440ه)، حدَّث عن سعيد الزنجاني، وخلق كثير سمع منهم في رحلته، وعنه أبو العلاء بن العطار وغيره، قال السمعاني: "ما أعرف أحدًا في عصره سمع أكثر منه"، توفي سنة (531 هـ). ينظر: السير (20/101)، وقلادة النحر (4/105).

[8] جاءت هذه القصة من طريق محمد بن طاهر المقدسي عن أبي جعفر، ومن طريقين مختلفين عن أبي العلاء العطار عن أبي جعفر. ينظر: سير أعلام النبلاء (18/474) تاريخ الإسلام (10/ 424)، والعلو (582). قال الألباني في "مختصر العلو" (ص277): "إسناد هذه القصة صحيح مسلسل بالحفاظ".