السؤال: يتداول بين الوعاظ أن الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الجمعة أفضل من قراءة القرآن، فهل هذا القول صحيح؟ وهل له أصل من كلام السلف؟ جزاكم الله خيرًا.

 

الجواب: الحمد لله، وصلى الله وسلم على محمد، أما بعد:

فقد رُوي من حديث أَوس بن أوس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليَّ رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي،[1] وقد اختلف العلماء في صحة هذا الحديث وما في معناه؛ فمن صحَّحه قال: إنه دليل على استحباب الإكثار من الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الجمعة، وذكر ابن القيم في "زاد المعاد"[2] أن ذلك من خصائص يوم الجمعة، ومن ضعَّف الحديث فإنه لا يراه صالحًا لهذه الخصوصية ليوم الجمعة، والأدلة على فضل الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- مطلقًا كثيرة مشهورة معلومة؛ فالصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- منها الواجب ومنها المستحب، وآكد ذلك في الصلاة بعد التشهد،[3] وعند ذكره -صلى الله عليه وسلم-، وإنَّ تعمُّد ترك الصلاة عليه عند ذكره -صلى الله عليه وسلم- من الكبائر؛ لما جاء في حديث أبي هريرة أن جبريل -عليه السلام- قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: ومن ذكرتَ عنده فلم يصلِّ عليك، فمات فدخل النار، فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين رواه ابن حبان وغيره.[4]

وأما تخصيص يوم الجمعة بالإكثار من الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه؛ فالأحاديث وإن كانت ضعيفة عند جمع من أهل العلم، كما نقل ذلك عنهم ابن القيم في "جلاء الأفهام"[5] إلا أنها من أحاديث فضائل الأعمال التي يتسامح فيها، فنقول: نعم يستحب الإكثار من الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الجمعة، لكن الذي لا يُقبَل هو المبالغة في ذلك بأن يقال: إن الإكثار من الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الجمعة أفضلُ من تلاوة القرآن، وقد اشتهر القول بذلك في هذه الأيام عن بعض المفتين، وهو عندي خطأ بلا ريب؛ لأن القرآن كلام الله، فهو أفضل كلام، وفي حديث عبد الله بن مسعود عند الترمذي: قال -صلى الله عليه وسلم-: من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها الحديث.[6]

ومن المعلوم بالضرورة أنَّ السَّلف كانوا لا يعدلون بقراءة القرآن شيئا من الأدعية والأذكار، والذي يظهر أن هذه الفتوى ليس لأهلها سلف؛ فإن صح ذلك فالفتوى بذلك بدعة. والله أعلم، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

 

أملاه:

عبدالرحمن بن ناصر البراك

حرر في 27 صفر 1444هـ

 

 

[1] أخرجه أحمد (16162)، وأبو داود (1531) -واللفظ له-، والنسائي (1374)، وابن ماجه (1085)، واختلف في تصحيح هذا الحديث أو تضعيفه؛ فصححه: ابن خزيمة (1733)، وابن حبان (910)، وضعفه أبو حاتم والبخاري. ينظر: العلل لابن أبي حاتم (2/529 رقم 565)، وشرح علل الترمذي (2/818-819).

[2] (1/376).

[3] قد جاءت صيغ كثيرة في الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم، حتى جمعها بعض المتقدمين فبلغت ثمانيًا وأربعين كيفية؛ منها عن النبي صلى الله عليه وسلم ست وثلاثون، والباقي عن الصحابة والتابعين، وقد أورد منها صديق حسن خان نحو ثلاثين كيفية، كلها مرفوعة إلا واحدة، وخرَّج الألباني سبعة منها. ينظر: نزل الأبرار لصديق حسن خان (ص167-171)، وأصل صفة الصلاة للألباني (3/913).

[4] أخرجه أبو يعلى (5922)، ومن طريقه: ابن حبان في صحيحه (907) بهذا اللفظ، وأخرجه بنحوه: البخاري في الأدب المفرد برقم (646)، البزار (8116)، وصححه ابن خزيمة (1888)، والألباني في صحيح الترغيب (1679)، وينظر: نتائج الأفكار (4/24) .

[5] (ص77 رقم 74).

[6] أخرجه الترمذي (2910) بهذا اللفظ، وبنحوه الحاكم (2040) وصححاه، وينظر: الصحيحة (660)، (3327).