السؤال: نقل ابن القيم عن بعض العارفين، أنه قال: "دخلت على الله من أبواب الطاعات كلها، فما دخلت من باب إلا رأيت عليه الزحام، فلم أتمكن من الدخول، حتى جئت باب الذل والافتقار، فإذا هو أقرب باب إليه وأوسعه، ولا مزاحم فيه ولا معوِّق، فما هو إلا أن وضعت قدمي في عتبته، فإذا هو سبحانه قد أخذ بيدي وأدخلني عليه". مدارج السالكين (1/429).

السؤال -حفظكم الله-: هل ينبغي التعبير بالزحام عن الطاعات، أو أنه أراد بها معنى آخر غير المعنى الظاهر المتبادر إلى الذهن؟ أحسن الله إليكم.

 

الجواب: الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على محمد، أما بعد:

فالزحام على الطاعات نوعان: حسِّيٌّ ومعنويٌّ؛ فالحسِّيُّ كازدحام الناس على أبواب المساجد إذا كثروا، وكازدحامهم عند الحجر الأسود، وازدحامهم عند رمي الجمار، وهذا محسوسٌ معلومٌ بالمشاهدة، وأما الازدحام المعنويُّ فهو كثرة المتقربين، ومعلومٌ أن الناس في العبادات ليسوا على درجة واحدة في الرغبة في كلِّ عبادة، فأنت ترى من الواقع حرص كثير من الناس على الحج والعمرة والصيام، مع التقصير فيما هو أفضل كالصلاة، وكثيرٌ من الناس يقوم الليل، ويصوم النهار، ويقصِّر في أداء الحقوق كبِرِّ الوالدين وصلة الرحم، وقس على هذا سائر العبادات القاصرة والمتعدية.

وهذا "العارف" الذي نقل عنه ابن القيم عبَّر عمَّا يفعله كثير من الناس من الطاعات بالازدحام عليها، فهو في تفكيره في أحوال الناس يرى أنهم يقبلون على أكثر الطاعات إلا باب الذُّلِّ لله؛ فأهله قليل، فتعبيره عن ذلك بالزحام من نوع المجاز، وهو تصوير لواقع الناس في حالهم مع أنواع العبادات، وهو تعبير صحيح وتصوير يقرب الحقيقة، وأيضًا فإن العبادات من حيث تقريبها العبدَ من الله ليست على درجة واحدة؛ فمن ذلك قوله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: أقربُ ما يكون العبدُ من ربه وهو ساجد رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه.[1]

ولا يخفى ما للصلاة من تأثير على قلب العبد؛ لما فيها من الوقوف بين يدي الله، والإقبال عليه، والمؤدُّون لها على الكمال هم القليل من الناس، ولما في الصلاة من تقريب العبد من الله كانت قرَّةَ عين النبي -صلى الله عليه وسلم-،[2] فجنس الصلاة أفضل العبادات، كما يدلُّ لذلك كثرة الثناء بها على المؤمنين في القرآن، وروحُها الخشوع، قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون: 1-2]، وقال تعالى: وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ [الأحزاب:35]، والأظهر أن المراد أهل الصلاة، والخشوع -وهو كمال الإقبال بالقلب على الله، وسكون البصر والجوارح- أصلُه الذُّلُّ لله، والخضوعُ بين يديه،[3] وهو حالُ القليل من المصلين.

والحاصل أن ما ذُكر عن هذا العارف تعبير وتصوير لحقيقة. نسأله تعالى أن يمنَّ علينا بتحقيق العبودية له؛ إنه وليُّ ذلك والقادر عليه، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد: 21]. والله أعلم.

 

أملاه:

عبدالرحمن بن ناصر البراك

حرر في 1 ربيع الأول 1444هـ

 

 

[1] برقم (482).

[2] يشير شيخنا لما أخرجه أحمد (12293)، والنسائي (3939) -واللفظ له- عن ‌أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حُبب إليَّ من الدنيا النساء والطيب، وجعل ‌قرة ‌عيني ‌في ‌الصلاة". والحديث صححه الحاكم (2676)، وجوّد إسناده العراقي كما في تخريج أحاديث الإحياء (‌‌1308)، وينظر: الصحيحة (‌‌1107)، (‌‌1809)، (‌‌3291)، (‌‌3329).

[3] ينظر: مدارج السالكين -ط المجمع- (2/193).