السؤال: أنا رجل عاميٌّ، حججت ثلاث حجات قبل سنين، ولكني لم أسع للحج، ظنًّا أنه غير مطلوب من الحاج إلا المبيت بمنى ومزدلفة والوقوف بعرفة والطواف فقط، ثم نبَّهني أحد الإخوة في مكة لاحقًا بعد ذلك إلى خطأ فعلي، فسألت رجلًا في الحرم، فقال: عليك ثلاث مرات تطوف وتسعى، وتذبح ذبيحة واحدة في الحرم؛ فهل هذا الجواب صحيح؟ أفيدونا، جزاكم الله خيرا.        

 

الجواب: الحمد لله، وصلى الله وسلم على محمد، أما بعد:

فإن السَّعيَ بين الصفا والمروة نسكٌ من مناسك الحج والعمرة، كما يدل لذلك قوله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة: 158]، وقد أثنى تعالى على المعظمين لشعائر الله، وتعظيمُهما بالطواف بهما، أي: بينهما، وهذا ممَّا أجمع عليه المسلمون،[1] كما دل على ذلك الكتاب والسُّنة القولية والفعلية من النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكن العلماء اختلفوا في حكم السعي بين الصفا والمروة على ثلاثة أقوال:[2]

أحدها: أنه ركن لا يتم الحج والعمرة إلا به، وإلى هذا ذهب جمع من الصحابة -رضي الله عنهم-،[3] ومن الأئمة مالك[4] والشافعي[5] وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وهي المشهورة عنه.[6]

الثاني: أنه سنة، وهي الرواية الثانية عن الإمام أحمد،[7] وقد ذهب إلى ذلك جمع من الصحابة -رضي الله عنهم-،[8] ودليل هذا القول عند القائلين به قوله تعالى: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة: 158]، ومثل هذا اللفظ إنما يدل على رفع الإثم، فغايته أن يدل على إباحة الفعل، وضُعِّف هذا القول بأن الآية لم تنزل للدلالة على رفع الإثم، بل لدفع الحرج الذي وقع في نفوس الصحابة من السعي بين الصفا والمروة، وكان عليهما صَنمان في الجاهلية.[9] وبهذا يظهر ضعف هذا القول لضعف دليله.

وأما القول بأنه ركنٌ فاستُدل له بحديث وأثر عن عائشة -رضي الله عنها-، فأما الحديث فما رواه ابن ماجه[10] عن حبيبة بنت أبي تجراة -رضي الله عنها- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي[11] وقد تُكلِّم في أحد رواة هذا الحديث،[12] وأما أثر عائشة فقولها: لعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة[13]

أقول: ولا ريب أن هذا الحديث والأثر يدلان على أن السعي واجب، وأما أنه ركن فهو فهمُ مَن قال به، ولهذا كان في حكم السعي قول ثالث، وهو أنه واجب يجبره دمٌّ، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-،[14] واختاره من الحنابلة القاضي أبو يعلى وشيخ المذهب أبو محمد ابن قدامة؛ فإنه ذكر الأقوال في كتابه "المغني"،[15] وقال في الثالث: "هو مذهب الحسن وأبي حنيفة والثوري" ثم قال: "وهو أولى؛ لأن دليل من أوجبه دلَّ على مطلق الوجوب، لا على كونه لا يتم الحجُّ إلا به، وقولُ عائشة في ذلك معارضٌ بقول من خالفها من الصحابة" اهـ.

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- لما ذكر الخلاف في هذه المسألة في تعليقه على كتاب "الكافي" لابن قدامة: "وأضعف الأقوال القول بأن السعي سنَّة، والقول بأنه ركن أو واجب يكادان يتكافآن؛ لأن كلًّا منهما له دليل، وهذه المسألة تحتاج إلى تحرير لأن الناس يحتاجون إليها، وترك السعي كثير، فتحتاج المسألة إلى تحرير" اهـ.[16]

ولما تقدَّم أقول: الأظهر عندي أن السعي في الحج والعمرة واجب، يجب بتركه دمٌ،[17] وفي الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: ما خيِّر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثمًا،[18] ولا ريب أن القول بوجوب السعي دون ركنيته أيسرُ على المسلمين في عبادتهم، ولا سيما أنه كثيرًا ما يقع تركه نسيانًا، أو جهلًا، أو استعجالًا، فأرى أن على أخينا السائل أن يذبح ثلاث ذبائح يفرق لحمها في مكة، ويكفيه ذلك عن تركه السعي في حجَّاته الثلاث، تقبلهنَّ الله، وعفا عنِّي وعنه، والحمد لله الذي منَّ علينا بشريعة الإسلام السَّمحة، ونسأله تعالى أن يرزقنا الفقه فيها، والعمل بها؛ إنه تعالى سميع الدعاء.

 

أملاه:

عبدالرحمن بن ناصر البراك

حرر في 6 ربيع الأول 1444هـ

 

 

[1]  مراتب الإجماع (ص78).

[2] ينظر: المغني (5/238).

[3] هو قول عائشة، نسبه لها: النووي وابن قدامة. ينظر: المجموع شرح المهذب (8/104)، والمغني (5/238).

[4] ينظر: مواهب الجليل (3/84).

[5] ينظر: المجموع شرح المهذب (8/103).

[6] وهو المذهب. ينظر: كشَّاف القناع (6/318).

[7] ينظر: الإنصاف (9/289-290).

[8] رُوي ذلك عن ابن عباس، وأنس، وابن الزبير. ينظر: المغني (5/239).

[9] ينظر في سبب نزول الآية: صحيح البخاري (1643)، ومسلم (1277).

[10] ينظر: المغني لابن قدامة (5/239)، فقد نسبه لابن ماجه، ولم نجد هذا الحديث في سنن ابن ماجه، وقال الألباني في الإرواء (4/270 رقم 1072): "عزاه المصنف (ابن ضويان) لابن ماجه وهو وهم، سبقه إليه في المغني... ".

[11] أخرجه أحمد (27367)، والدارقطني (2582)، (2584)، والبيهقي (9440) عن حبيبة بنت أبى تجراة رضي الله عنها، وصححه ابن خزيمة (2764)، (2765)، وابن عبد الهادي في التنقيح (2202)، وينظر: نصب الراية (3/55)، والإرواء (1072).

[12] وهو عبد الله بن المؤمل كما في أحد طُرق الحديث. ينظر: الميزان (28/510 رقم ‌‌4637).

[13] أخرجه البخاري (1790)، ومسلم (1277-360) والسياق له.

[14] ينظر: المبسوط (4/50).

[15] (5/238).

[16] (4/402) وقوله: "وهذه المسألة ...تحرير"، غير موجود في المطبوع، ولكن في التفريغ الصوتي؛ وهو في التعليق على الكافي (4/73) بالترقيم الآلي للمكتبة الشاملة.

[17] لما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّه قال: "من نسي من نُسكه شيئًا أو تركه، فليهرق دمًا"، أخرجه مالك (240)، قال الألباني في الإرواء (1100): "ضعيف مرفوعًا، وثبت موقوفًا".

[18] أخرجه البخاري (3560)، ومسلم (2327) بنحوه.