السؤال: أشكل علي كلام أهل العلم في  معنى حبوط العمل في حديث بريدة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله، قال ابن عبد البر في التمهيد (14/125): "معنى قوله في هذا الحديث: "حبط عمله": أي حبط عمله فيها فلم يحصل على أجر من صلاها في وقتها، يعني أنه إذا عملها بعد خروج وقتها فقدَ أجر عملها في وقتها وفضله والله أعلم، لا أنه حبط عمله جملة في سائر الصلوات وسائر أعمال البر أعوذ بالله من مثل هذا التأويل؛ فإنه مذهب الخوارج وإنما يحبط الأعمال: الكفر بالله وحده قال الله عز وجل: ‌وَمَنْ ‌يَكْفُرْ ‌بِالْإِيمَانِ ‌فَقَدْ ‌حَبِطَ ‌عَمَلُهُ [المائدة: 5]".

وقال ابن رجب في فتح الباري (4-/307-308) في شرحه لهذا الحديث: "وبيَّنا أن أكثر السلف والأمة على القول بذلك (أي حبوط العمل بترك بعض الفرائض وارتكاب بعض المحارم)، وإمرار الأحاديث الواردة فيه على ما جاءت من غير تعسُّف في تأويلاتها، وبينا أن العمل إذا أطلق لم يدخل فيه الايمان وإنما يراد به أعمال الجوارح، وبهذا فارق قولُ السلف قولَ الخوارج؛ فإنهم أحبطوا بالكبيرة الإيمان والعمل، وخلَّدوا بها في النار، وهذا قول باطل".

ثم ذكر ابن رجب تأويل بعض المتأخرين؛ فمنهم من قال بأنه يحبط عمل ذلك اليوم وقول من قال: "إنما يحبط العمل الذي هو تلك الصلاة التي تركها فيفوته أجرها، وهذا هو الذي ذكره ابن عبد البر. وهو من أضعف الأقوال، وليس في الإخبار به فائدة".

 واعترض ابن رجب أيضًا على من فسَّره بالكفر الأكبر بترك صلاة واحدة، فقال: "ومنهم من حمل هذا الحديث على أن من ترك صلاة واحدة متعمدًا حتى يخرج وقتها فإنه يصير بذلك كافرًا مرتدًا، كما يقول ذلك من يقوله ممن يرى أن ترك الصلاة كفر، وهذا يسقط فائدة تخصيص العصر بالذكر، فإن سائر الصلوات عنده كذلك".

فما قولكم سلمكم الله في معنى الحبوط في هذا الحديث؟ وقد بحثت في مؤلفاتكم ودروسكم فلم أجد لفضيلتكم كلامًا في هذا الموضوع.

 

الجواب: الحمد لله، وصلى الله وسلم على محمد، أما بعد:

فإن العلماء مختلفون في كفر تارك الصلاة؛[1] فذهب جمهور السلف أو جميعهم إلى القول بأن تارك الصلاة كافر، واستدلوا لذلك بحديث جابر -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-:  بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة  رواه مسلم[2]، وحديث بريدة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر[3]، وعن عبد الله بن شقيق العُقيلي التابعي المشهور قال: "لم يكن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة" رواه الترمذي ومحمد بن نصر في كتابه "تعظيم قدر الصلاة"[4]، وأخرج الإمام مالك في "الموطأ" وابن سعد في "الطبقات" وغيرهما أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال في مجمع من الصحابة: "إنه لا حظ في الإسلام لمن أضاع الصلاة"[5]، ولم ينكروا عليه؛ فصار إجماعًا منهم.

ثم القائلون بكفر تارك الصلاة منهم من يطلق الحكم في ترك الصلاة مطلقا، ومنهم من يقول: من ترك صلاة واحدة؛ فروى ذلك محمد بن نصر المروزيُّ عن جمع من الصحابة[6].

والحديث المسؤول عنه، وهو من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله[7]؛ ليس بمشكل عند هؤلاء، بل هو من أدلتهم، وإنما أشكل على الذين لا يرون ترك الصلاة كفرًا، وهم جمهور العلماء بعد الصحابة من أصحاب المذاهب، ولهذا اضطرب شُرَّاح هذا الحديث وتأوَّلوه تأويلات غريبة تخالف ظاهر الحديث، وتذهب بما فيه من الوعيد والتغليظ في ترك صلاة العصر، من ذلك ما ذكره الحافظ في "فتح الباري" (2/32-33) حيث قال: "وأما الجمهور (يعني الذين لا يقولون بكفر تارك الصلاة) فتأوَّلوا الحديث، فافترقوا في تأويله فرقًا؛ فمنهم من أوَّل سبب الترك، ومنهم من أوَّل الحبَط، ومنهم من أوَّل العمل؛ فقيل: المراد من تركها جاحدًا لوجوبها أو معترفًا لكن مستخفًّا مستهزئًا بمن أقامها، وقيل: المراد مَن تركها متكاسلًا، لكن خرج الوعيد مخرج الزجر الشديد، وظاهره غير مراد، وقيل: هو من مجاز التشبيه، كأن المعنى فقد أشبه من حبط عمله، وقيل: معناه كاد أن يحبط، وقيل: المراد بالحبَط نقصان العمل في ذلك الوقت الذي تُرفع فيه الأعمال إلى الله، فكأنَّ المراد بالعمل الصلاة خاصة، أي: لا يحصل على أجر من صلى العصر، ولا يرتفع له عملها حينئذ"، إلى آخر تلك الأقوال، ثم قال الحافظ: "وقيل: المراد بالعمل في الحديث عمل الدنيا الذي يسبب الاشتغال به ترك الصلاة، بمعنى أنه لا ينتفع به ولا يتمتع، وأقرب هذه التأويلات قول من قال: إن ذلك خرج مخرج الزجر الشديد، وظاهره غير مراد" اهـ من "فتح الباري".

ولا يخفى أن بعض هذه التأويلات ساقط، كمن قال: إنه من باب التشبيه بمن حبط عمله، ومَن قال: إن المراد بالعمل هو عمل الدنيا الذي اشتغل به عن الصلاة؛ فإنه لا ينتفع به.

ثم إنِّي تأملت حبوط العمل الوارد في القرآن، فوجدته قد ورد في خمسة عشر موضعًا، في: البقرة وآل عمران والمائدة والأنعام والأعراف والتوبة في موضعين وهود والكهف والأحزاب والزمر ومحمد في ثلاثة مواضع والحجرات، فالحبوط في جميع هذه المواضع  مفسَّر ببطلان العمل؛ فلا يُقبل العمل من صاحبه ولا يُثاب عليه، ولغة الكتاب والسنة واحدةٌ، وفي هذه المواضع: حبوط العمل مرتَّب على الارتداد عن الدين، أو معاندة المرسلين، أو الشرك، أو كراهة ما أنزل الله، أو كراهة رضوان الله، أو الجهر لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- كجهر الناس بعضهم لبعض؛ لما في ذلك من الاستخفاف بحقه -صلى الله عليه وسلم-، والقصد من ذكر هذه الشواهد أنه ينبغي أن يُفسَّر الحديث بما تُفسَّر به الآيات؛ لأن اللفظ واحد، وإذا صحَّ هذا كان الحديث دليلًا على بطلان عمل من ترك صلاة العصر مطلقًا، كقوله تعالى: كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2]، وقوله تعالى: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88]، وقوله: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر:65]. أفلا يكون قوله -صلى الله عليه وسلم-: فقد حبط عمله كالحبوط في هذه الآيات، وعليه فإن أجمع العلماء على تأويل الحديث فإنه يجب المصير إلى إجماعهم، وإن اختلفوا فالصواب مع من أجراه على ظاهره، كما هو الواجب في النصوص المجملة المحتملة.

وعلى كل حال فالحديث من المتشابه الذي يجب ردُّه إلى المحكمات، والقاعدة الأصولية أنه لا يجوز صرف الدليل عن ظاهره إلا بحجة يجب المصير إليها، وظاهر الحديث أنَّ من ترك صلاة العصر بطل عمله، وتقدم ذكر بعض التأويلات الضعيفة التي لا يليق حمل كلام الرسول -صلى الله عليه وسلم- عليها، فعلى طالب الحق أن يتحرَّى ما هو اللائق بكلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والجاري على هديه وسنته، ونقول: اللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم[8].

هذا؛ وبعد إملاء ما تقدم وقفت على جواب لشيخنا عبد العزيز بن باز -رحمه الله- عن معنى هذا الحديث؛ فإنه قال في الجواب: الحديث "رواه البخاري في الصحيح، هذا يدل على كفره؛ لأن الأعمال تحبط بالكفر، لقول الله عز وجل: وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأنعام:88]، وهذا من أدلة من قال بتكفير تارك الصلاة، وهكذا قوله -صلى الله عليه وسلم- فيما صح في صحيح مسلم: بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة ، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر، هذه من أدلة تكفيره الكفر الأكبر" اهـ من شرح رسالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في "شروط الصلاة وأركانها وواجباتها"[9]. والله أعلم.

 

أملاه:

عبدالرحمن بن ناصر البراك

حرر في 26 ربيع الأول 1444هـ

 

[1] ينظر: المغني (3/351)، وكتاب الصلاة لابن القيم (ص40).

[2] برقم (82).

[3] أخرجه أحمد (22937)، والترمذي (2621) وقال: "حسن صحيح غريب"، والنسائي (463)، وابن ماجه (1079) وصححه ابن حبان (1454).

[4] أخرجه الترمذي (2622)، وابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (948)، وقال الألباني في الثمر المستطاب (1/52): "صحيح الإسناد".

[5] أخرجه مالك -ت الأعظمي- (117)، وابن سعد (4104)، (4105)، (4109) بنحوه، وأخرجه بهذا اللفظ: ابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (925)، والخلّال في السنة (1371)، وصححه الألباني في الإرواء (209).

[6] ينظر رقم: (911)، (934).

[7] أخرجه البخاري (553) عن بريدة رضي الله عنه.

[8] وقال ابن القيم: أن الترك نوعان: ترك كلي، لا يصليها أبدا؛ فهذا يحبط العمل جميعه. وترك معيَّن، في يوم معيَّن؛ فهذا يحبط عمل ذلك اليوم. فالحبوط العام في مقابلة الترك العام، والحبوط المعين في مقابلة الترك المعين. ينظر:كتاب الصلاة (ص109)

[9] من الدروس الصوتية بتفريغ أبي القاسم المحمادي (ص36 السؤال 26).