السؤال: أريد من فضيلتكم التكرم بذكر الأدلة الصريحة على وجوب الصلاة مع الجماعة؛ لأن بعض زملائي يجبروننا على الصلاة في البيوت إذا اجتمعنا معهم، ويقولون إن المهم أداء الصلاة فقط، وأداؤها في المسجد فيه زيادة أجر.

 

الجواب: الحمد لله، وصلى الله وسلم على محمد، أما بعد:

فإن المتدبِّر لما ورد في السنة من الترغيب في صلاة الجماعة والأمر بحضورها؛ يعلم قطعًا أن المرادَ صلاةُ الجماعة الراتبة التي تقام في المسجد، كحديث الأعمى؛ فإنَّ سياقه نصٌّ في أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمره بالحضور إلى المسجد؛ إذْ قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم، قال: فأجب رواه مسلم[1]، وحديث الهمِّ بتحريق بيوت المتخلفين عن صلاة الجماعة؛ فإنه -صلى الله عليه وسلم- ذكر في تعليل عقوبتهم، أنهم لا يشهدون الصلاة[2]، ولم يقل: إنهم لا يُصلون جماعة، وكذا قوله -صلى الله عليه وسلم-: من سمع النداء فلم يأته، فلا صلاة له، إلا من عذر رواه ابن ماجه[3].

وكان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يتخلفون عن صلاة الجماعة في المسجد، قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "من سرَّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنادى بهن" وأين يُنادى بهنَّ إلا في المسجد؟ ثم قال: "فإنَّ الله شرع لنبيكم -صلى الله عليه وسلم- سنن الهُدَى، وإنهن من سنن الهُدَى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد؛ إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتُنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف» رواه مسلم.[4]

ولا ريب أن القول بجواز إقامة الجماعة في البيت قول مرجوح، بل باطل؛ لأنه مخالف لهذه الأدلة الصريحة في وجوب الحضور إلى المسجد[5]، ومن ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: «صلاة الرجل في الجماعة تُضعَّف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا، وذلك أنه: إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة؛ لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحطَّ عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه، ما دام في مصلاه: اللهم صلِّ عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة» متفق عليه من حديث أبي هريرة.[6]

وصلاة الجماعة في البيت ليس فيها خُطى، بل فيها خَطَأٌ، والأجر المرتب على صلاة الجماعة، وهو مضاعفة الصلاة خاصٌّ بالجماعة الراتبة في المسجد، كما يدل عليه ظاهر الأحاديث الواردة في ذلك.

والواجب على المسلم أن يعتصم بالكتاب والسنة فيما اختلف فيه الناس، ولا يلتفت إلى الأقوال المخالفة لظاهر الكتاب والسنة. نسأل الله أن يلزمنا هداه وهدْي نبيه، ويسلك بنا صراطه المستقيم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

 

أملاه:

عبدالرحمن بن ناصر البراك

حرر في 14 جمادى الأولى 1444هـ

 

[1] برقم (653) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[2] أخرجه البخاري (2420)، ومسلم (651) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[3] أخرجه ابن ماجه (793)، عن ابن عباس رضي الله عنهما. وصححه ابن حبان (2064)، وقال الحاكم (893) (894) "صحيح على شرط الشيخين". وينظر: التلخيص الحبير (2/917 رقم 655)، والإرواء (551).

[4] برقم (654).

[5] ينظر: المغني (3/5)، وكتاب الصلاة لابن القيم (ص207-246).

[6] أخرجه البخاري (647) -واللفظ له-، ومسلم (649) مختصرا؛ دون قوله: "وذلك أنه...".