السؤال: فضيلة الشيخ: صليت الجمعة مع خطيب، وصدَّر خطبته بأبيات الأعرابي التي ناجى بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله:

يا خير من دُفنت بالقاع أعظمُه ... فطاب من طيبهن القاعُ والأكمُ

نفسي الفداءُ لقبرٍ أنتَ ساكنه ... فيه العفافُ وفيه الجود والكرمُ

فهل نداء الخطيب هذا يُعدُّ مناجاة ممنوعة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو مدحًا مجردًا مباحًا؟ فإن كان ممنوعًا، فما يعمل من شهد تلك الجمعة؟ وما وجه قول أبي بكر -رضي الله عنه- لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو مسجًّى بعد موته: "طبتَ حيًّا وميتًا يا رسول الله.."؟ بارك الله فيكم، ونفع بعلومكم.

 

الجواب: الحمد لله، وصلى الله وسلم على محمد، أما بعد:

فإن النداء في اللغة العربية يأتي على وجوه؛ فتارة يكون لحاضر، وتارة يكون لغائب، لكن المنادي يتخيَّل المنادَى حاضرًا، وتارة يكون النداء مجرَّد لفظ، أي: لا يَعتقد منه المنادي أن المخاطب يسمعه، ومنه قول أبي بكر رضي الله عنه: "طبتَ حيًّا وميتًا يا رسول الله..."،[1] بل يقصد المنادي مجردَ الثناء على الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وأما نداء الأعرابي للرسول -صلى الله عليه وسلم-[2] فالأشبه عندي أنه من النوع الثاني، فهو يتخيَّل أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يسمعه أو يعتقد ذلك، وقد تضمَّن البيت الثاني مدح الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولم يطلب من الرسول -صلى الله عليه وسلم- شيئًا، وعلى كلٍّ ففِعل الأعرابي خطأ؛ أعني مجيئه إلى القبر وخطابه للنبي -صلى الله عليه وسلم-؛ إذْ لم يفعل مثلَ ذلك أحدٌ من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد موته،[3] وكذلك استهلال الخطيب خطبته بالبيتين؛ فإنه لا وجه له، ومع ذلك فلا أرى أن قراءته للبيتين تبطل خطبته، وإذا لم تبطل خطبته لم تبطل صلاته؛ فصلاته وصلاة المأموين صحيحة، وخير ما تُفتتح به الخطب: حمد الله وتوحيده والصلاة على رسوله -صلى الله عليه وسلم-. والله أعلم.

أملاه:

عبدالرحمن بن ناصر البراك

حرر في 6 جمادى الآخرة 1444هـ

 

[1] أخرجه البخاري (3667) بنحوه عن عائشة رضي الله عنها.

[2] أخرج الحكاية بنحوها: البيهقي في شعب الإيمان (3880)، وابن عساكر في معجمه (738)، وابن الجوزي في مثير العزم الساكن (477)، وقال ابن عبد الهادي في الصارم المنكي (ص253): " وهذه الحكاية التي ذكرها بعضهم يرويها عن العتبي، بلا إسناد...وقد ذكرها البيهقي في كتاب شعب الإيمان بإسنادٍ مظلمٍ "، وقال الألباني في الصحيحة (6/1034-1035 رقم 2928) عن إسناد البيهقي: "وهذا إسنادٌ ضعيفٌ مظلمٌ" وأن الحكاية " منكَرة ظاهرة النكارة".

[3] ينظر: اقتضاء الصراط المستقيم (2/289-290)، وهذه مفاهيمنا (ص81-83).