السؤال: أحسن الله إليكم شيخنا وحفظكم من كل شر: ما حكم القيام بمناسبة لمن يرجع من العمرة أو الحج، أو القيام بوليمة ختان؟ هل نقول إنها محدثة ومحرَّمة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة -رضي الله عنهم- لم يفعلوها، مع وجود المقتضي وعدم وجود المانع؟ وهل من ضابط نستطيع من خلاله أن نفرِّق بين مناسبات جائزة ومناسبات محرَّمة؟ لأن الناس يأتون بأسئلة من حين إلى آخر عن مناسبات وولائم جديدة؛ وبعض طلبة العلم ينكر هذه المناسبات، فلعل هناك ضابطًا للحكم عليها.

 

الجواب: الحمد لله، وصلى الله وسلم على محمد، أما بعد:

فإن الولائم -وهي الدعوات التي يُصنَع فيها للمدعوين طعامٌ- ثلاثة أنواع:

الأوَّل: ولائم شرعيَّة، كوليمة العرس؛ لفعله -صلى الله عليه وسلم-، ففي صحيح البخاري:[1] قالت صفية بنت شيبة: "أولَم النبي -صلى الله عليه وسلم- على بعض نسائه بمُدَّين من شعير"، وفي البخاري[2] أيضًا عن أنس، قال: أولم النبي -صلى الله عليه وسلم- على زينب بشاة، وفي الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لعبد الرحمن بن عوف: حين قال تزوجتُ، قال: أولِم ولو بشاة.[3]

الثاني: ولائم عاديَّة، كالوليمةٍ للقادم، وتسمَّى النَّقيعة؛[4] فقد يفعلها بعض القادمين لرفاقه، وقد يفعلها بعض المقيمين من أهلهم، وهذه مباحة، فلا أمر ولا نهي.

الثالث: ولائم بدعيَّة، كالتي تُصنع في الموالد، كمناسبة مولد الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فهذه محرَّمة من وجهين:

الأول: التعبُّد بما لم يشرعه الله.

الثاني: التشبه بالنَّصارى في مولد المسيح عليه السلام.[5]

وممَّا يشبه هذا ويُنهى عنه من أجل التشبه بالكفَّار: الوليمة لذكرى مولد الإنسان، أو ذكرى العرس.[6]

ومن النوع الأول -الشرعيّ- الوليمة للمولود، بذبح العقيقة، ومن المباح: الوليمة لتجدد نعمة، كالوظيفة والترقية فيها، والتخرج من الدراسة، بشرط اجتناب ما يتضمَّن التشبه بعادات الكفار، كاللِّباس وغيره، ومن هذا النوع المباح: الوليمة لختم الصبي القرآن، وتسمَّى عند الفقهاء الحِذاق.[7]

هذا؛ وذَكر الفقهاء[8] أنواع الطعام التي يُدعى إليها الناس، وهي: الأوَّل: الوليمة طعام العرس؛ وهي مشروعة، كما تقدم. الثاني: الحِذاق. الثالث: الإعذار للختان. الرابع: الخرسة والخرس لطعام الولادة. الخامس: الوَكيرة لدعوة بناء الدار. السادس: النَّقيعة لقدوم الغائب من سفر كحج وعمرة، وهذه الأنواع الخمسة من العادات وهي مباحة. السابع: العقيقة: الذبح لأجل الولد؛ وهي مشروعة، كما تقدم. الثامن: الوضيمة: طعام المأتم، وهي بدعة.

وعلى هذا يتبيَّن أن الوليمة من قدوم السفر أو العمرة أو للختان من الأمور العاديَّة؛ فلا يُقال لها: بدعة؛ إذْ لم يفعلها النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإنما يُقال ذلك في الأمور التعبديَّة، وفرق بين الأمور التعبديَّة والأمور العاديَّة، وهذا هو الضابط فيما يكون بدعة أو غير بدعة. والله أعلم.   

أملاه:

عبدالرحمن بن ناصر البراك

حرر في 16 جمادى الآخرة 1444هـ

 

[1] برقم (5172).

[2] أخرجه بنحوه برقم (5168)، (5171).

[3] أخرجه البخاري (2048)، (5167)، ومسلم (1427).

[4] ينظر: لسان العرب (8/362).

[5] للاستزادة ينظر: " المورد في عمل المولد" للفاكهاني، و"الرد القوي على الرفاعي والمجهول وابن علوي وبيان أخطائهم في المولد النبوي" لحمود التويجري.

[6] ينظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز (4/283) وما بعدها، (18/56)، ومجموع فتاوى ورسائل العثيمين (2/302).

[7] ينظر: المطلع على ألفاظ المقنع (ص399)، وشرح الزركشي على الخرقي (5/338).

[8] ينظر: المطلع (399)، وشرح الزركشي على الخرقي (5/338).