بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرّحيمِ
شرح "بلوغ المرام مِن أدلّة الأحكام" (كتاب الطّلاق)
الدّرس التّاسع عشر

***    ***    ***    ***
 
- القارئ: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، الحمدُ للهِ ربِّ العالَمين، وصلَّى الله وسلَّمَ وباركَ على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلِه وصحبِه أجمعين. قال الحافظ ابن حجر –رحمه الله تعالى- في "بلوغ المرام":
باب النَّفقات

عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: دَخَلَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ -اِمْرَأَةُ أَبِي سُفْيَانَ- عَلَى رَسُولِ اَللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ: "يَا رَسُولَ اَللَّهِ! إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِينِي مِنْ اَلنَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ، إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ?" فَقَالَ: (خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ، وَيَكْفِي بَنِيكِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
- الشيخ:
هذا باب النفقات، يعني باب بيان حكم النَّفقات وما يجب منها وأصلُها في القرآن أصلها مثل قوله تعالى: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة:233] وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ الذي هو الزوجُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ قال تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى*لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:6-7]
فتجبُ النفقة نفقة المرأة على زوجها وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ وكذلك نفقة الأولاد على والِدِهم، ونفقة القرابات على تفصيلٍ وخلافٍ بين أهل العلمِ، ومن الآيات المُتعلِّقة بالنفقة قولُه تعالى بعدَ ما ذكرَ وجوب النفقة -نفقة الزوجة-: وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ [البقرة:233] يعني على الوارثِ النفقةُ -نفقة القريب-.
لا إلهَ إلا الله. فتجبُ نفقةُ الوارثِ على مَورُوثه والأصلُ أنَّ نفقةَ الوالدِ على أولاده، ومن أوجبِ الواجبات من النفقة نفقةُ الولد على والديه فهذا واجبٌ، وهوَ من أعظمِ ما يجبُ من البرِّ: الإنفاقُ عليهِما إذا احتاجَا، إذا كانا في حاجةٍ وجبَت عليه نفقتُهما بالضرورةِ.
والمقصود أنَّ هذا بابٌ من أبواب الفقهِ في كتبِ الحديث، وفي كتبُ الفقهِ "النفقاتُ": نفقةُ الزوجاتِ، ونفقةُ الأقاربِ، ويُدرجون فيه كذلكَ نفقة العبيد والبهائم.
وفي هذا الحديثِ أنَّ هندَ بنتَ عتبة -امرأةَ أبي سفيان- سيِّدِ قريشٍ جاءَت تستفتي النبيَّ بعد ما أسلمَت وأسلمَ زوجها -رضي الله عنهما- تقولُ: "إنَّ أبا سفيانَ رجلٌ شحيحٌ -أخذَ العلماء من ذلك جوازَ الغيبة من أجلِ الاستفتاءِ يجوزُ للمُستفتي أن يقولَ: فلانٌ ظلمني أو فلانٌ كذا أو لم يُعطني حقي. فهي تقول إن أبا سفيان رجلٌ شحيح- لا يُعطيني من النفقةِ ما يكفيني ويكفي بنيَّ، يعني معناه أنَّه ليسَ بعاجزٍ، ما هو بعاجزٍ هو قادرٌ لكنه يُقصر في الإنفاق.
تسألُ هل لها أنْ تأخذَ من مالِه حاجَتَها بغيرِ علمِه فقال: (خُذِي من مالِه بالمعروف) يعني بالمعقولِ -ما يكفيكِ ويكفي بنيكِ- فدلَّ ذلك أولًا على وجوبِ النفقة على الزوجِ لزوجتِه وعلى الأبِ لأولادِه، وإذا دعتِ الحاجةُ إلى مُحاكمتِه فإنَّه يُحاكَم، لو لم تقدِرْ على مالِه فلها أن تدَّعي عليه في القضاءِ.
 
- القارئ: بالمعروفِ -أحسنَ الله إليكم-
- الشيخ: بالمعروفِ في كلِّ وقتٍ بحَسبِه، النفقةُ تختلفُ باختلافِ الزمانِ والمكانِ وحالةِ المُنفق. بالمعروفِ هذا ما يقتضِيه العُرفُ عندَ الناس. المعروفُ هو المُعتادُ.
 
- القارئ: وَعَنْ طَارِقِ الْمُحَارِبِيِّ قَالَ: قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَائِمٌ يَخْطُبُ وَيَقُولُ:
(يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ: أُمَّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ.
- الشيخ:
في هذا الثناءُ على العطاءِ، سواءٌ كانَ البذل والإخراجُ واجبًا أو كان مُستحبًّا. فالعبدُ يُحمدُ ويُؤجَرُ على الإنفاقِ ولهذا نعلم قولَ من يقولُ: "لا شكرَ على واجبٍ" المعنى غيرُ صحيحٍ، ليس بصحيح، من أدَّى الواجبَ فإنَّه يُشكر ويُؤجرُ، إذا أتاك رجلٌ بدينِه وفاءً فإنَّك تقولُ: جزاك الله خيرًا فقضاؤُه الدينَ ووفاؤُه هذا جزءٌ من حسنِ القضاءِ ومن حسنِ المعاملة فيُشكر ويُؤجر إذا احتسبَ ذلك.  (يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا) والشاهد من الحديث قولُه: (وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ: أُمَّكَ وَأَبَاكَ)
 
- القارئ: (أُمَّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ)
- الشيخ:
(وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ) وأدنى منهما ابنُك وبنتك. إذا كانَ لا أمُّك وأبَاك وأختُك وأخَاك [.....] فيجبُ على الأبَوين الإنفاقُ على أولادِهما لكنْ لو عُدِمَ الأبُ، والأمُّ تملك مالًا وجبَ عليها أن تُنفقَ على أولادِها.
 
- القارئ:
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-:
(لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
- الشيخ:
هذا من الأدلةِ على وجوبِ النفقة على المماليكِ، العبدُ ما عندَه مالٌ وهو مُقيَّدٌ بخدمة سيده، فعلى سيِّدِه الإنفاقُ عليه، والنفقةُ تقتصرُ على الطعام والشرابِ والكِسوة، للمملوكِ طعامُه وكِسوتُه.
وممَّا يجب على السيدِ أنْ لا يُكلِّفَه من العملِ ما لا يُطيقُ لأنَّ هذا عدوانٌ وظلمٌ، بل قالَ -عليه الصلاة والسلام-: (إخوانُكم خوَلَكُم، جعلَهم الله تحتَ أيديكُم، فمن كانَ أخُوه تحتَ يدِه فليُطعِمه مما يَطعم، وليكسُه مما يكتسِي) أو كما قالَ –عليه الصلاة والسلام-.