كلمةٌ توجيهيّة لطالبات العلم والدّاعيات
 
السؤال: هل مِن كلمة توجيهيّة لطالبات العلم والدّاعيات في الحرص على الأوقات وترك الحسد وكثرة الجدال بغرض الانتصار للنفس وليس للحق؟
 

الجواب: الحمدُ لله أمّا بعد:
هذا موضوعٌ عظيمٌ يحتاج إلى التّنبيه إليه كلّ مسلمٍ ومسلمةٍ؛ لأنّ على الجميع أن يتّقوا الله فيما بينهم وفيما يفعلون أو يتركون، وعلى الجميع أن يرعوا حقوقَ الأخوّةِ الإيمانيّة التي جمعها موالاة المؤمنين والمؤمنات بعضهم لبعض، قال الله تعالى: وَالمُؤمِنُونَ وَالمُؤمِنَٰتُ بَعضُهُم أَولِيَآءُ بَعضٍ [التوبة:71]
وقد وصّى النّبيُّ -صلّى الله عليه وسلّم- بترك كلّ ما يضادّ أخوة الإيمان؛ من الحسدِ والقطيعة والظلم والاحتقار، قال صلّى الله عليه وسلّم: (لا تَحَاسدُوا ولا تَبَاغَضُوا، وكُونوا عِبَادَ اللهِ إخْوانًا، بحَسْبِ امرئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أخَاهُ المسلمَ).
وقال سبحانه: يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَومٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيرًا مِّنْهُم ثم قال: وَلَا نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيرًا مِّنْهُنَّۖ [الحجرات:11]
وينبغي للمسلمين والمسلمات أن يكونوا مُتحابّين في الله، وأن يجتهدوا في البعد عمّا يُنافي هذا الولاء مِن الحسد، وكذلك في باب العلم، وكذلك في باب التّفاهم، عليهم أن يحذروا مِن الأنانيّة والانتصار للنَّفس، بل على المسلم والمسلمة أن يكون مقصود كلّ منهما: معرفة الحقِّ مع التّجرّد عن هوى النّفس، وهذا مِن تحقيق الإخلاص؛ قال تعالى: قُلْ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدْعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ [يوسف: 108]
قال الشّيخ "محمّد بن عبد الوهاب" في مسائل هذا الباب، باب الدّعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ فيه تنبيه على الإخلاص، فإنّ كثيرًا ممّن يدعو إلى الله هو في الحقيقة إنّما يدعو إلى نفسه.
ومما يناسب الوصية به: حفظ الوقت عن الضّياع فيما لا يعود بفائدة على الإنسان، وأخطر مِن ذلك: إضاعةُ الوقت فيما يضرّ المسلم في دينه، فيجب أن يتذكّر العاقلُ أنّ عمرَ الإنسان -وهو مدّةُ حياته في الدّنيا- هو رأسُ ماله، وربحُه فيه بقدر ما يقضيه منه في العمل الصّالح، وخسرانُه فيه بقدر ما يضيعه منه، فإن أضاعه في اللهو واللعب خسرَ عمره وفاتته الأرباح، وإن أضاعه في المعاصي خسرَ عمره، بل خسر نفسه؛ فاغتنم أيّها العاقل صحّتك قبل مرضك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك، وفي الحديث عن النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-: (نِعْمَتَانِ مَغْبونٌ فيهما كَثيرٌ مِن النّاس: الصَّحةُ والفَرَاغُ).
وإليكَ بعض ما قاله العلماء والحكماء في شأني حفظ الوقت، قال الحسنُ البصري-رحمه الله-: (أدركتُ أقوامًا كانوا على أوقاتهم أشدّ منكم حرصًا على دراهمكم ودنانيركم)
وقال أبو الوفاء ابن عقيل -رحمه الله-: (إنّي لا يحلّ لي أن أضيّع ساعةً مِن عمري، حتى إذا تعطّل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملتُ فكري في حالة راحتي وأنا مستطرح، فلا أنهضُ إلّا وقد خطرَ لي ما أسطره)
وقال ابنُ الجوزي -بعدما ذكرَ أصنافًا مِن النّاس يضيّعون أوقاتهم بما لا ينفع- قال: (فعلمتُ أنّ الله تعالى لم يُطلعْ على شرفِ العمرِ ومعرفة قدرِ أوقات العافية إلّا مَن وفَّقه وألهمه اغتنام ذلك). 
 
حرر في يوم الأربعاء الموافق ١٧-محرم-١٤٣٥هـ