يحرمُ استقبالُ القبلةِ أو استدبارُها ببولٍ أو غائطٍ مطلقًا، بفضاءٍ أو بنيانٍ

يحرمُ استقبالُ القبلةِ أو استدبارُها ببولٍ أو غائطٍ مطلقًا، في الفضاءِ وفي البنيانِ، وهذا اختيارُ شيخ الإسلام، وابن القيّم[1]. وقد اختلفَ العلماءُ في ذلك اختلافًا كثيرًا[2] وأهمّ هذا الخلافِ قولان:
* أحدُهما -وهو قولُ الجمهور-: أنَّه يحرمُ، إلّا في البنيان، فيجوزُ الاستقبالُ والاستدبارُ، في البنيان مِن داخل 
[3] .
* والقولُ الثّاني: أنَّه يحرمُ مطلقًا [4]
وقال بعضُهم: يجوزُ مطلقًا .
وبعضُهم قالَ: يجوزُ الاستدبارُ دون الاستقبالِ 
[5]
وعمدةُ الجمهورِ في قولهم، باستثناء البنيان: حديثُ ابن عمر في الصَّحيح، قال: (ارتقيتُ فوقَ بيتِ حفصةَ، فرأيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقضي حاجتَهُ، مستدبرَ القِبْلَةِ، مستقبلَ الشَّامِ)[6]
وجاءَ عندَ أبي داوود، وغيره، عن جابر -رضي الله عنه- قال: (نَهى نبيُّ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- أنْ نستقبلَ القبلةَ ببولٍ، فرأيتُه قبل أن يُقبضَ بعامٍ يستقبُلُها)[7]
الحديثُ الأوّل استدلّوا به على تخصيصِ البنيان، والثَّاني استدلَّ بهِ مَن رخَّصَ الاستقبالَ دونَ الاستدبارِ، بل ربَّما استدلّوا به على النَّسخ !
وكلّها أقاويلٌ لا تتجه، فإنّه -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- إنَّما فعلَ ذلك في حالٍ، هو لا يُرى فيها، فابنُ عمر وقعَ نظره على النَّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- مِن غيرِ قصدٍ، والنَّبيُّ في جلوسه ذلك لم يقصدِ التَّشريعَ والبيانَ للأمّة؛ لأنَّه في مكانٍ الأصلُ أنَّه لا يراهُ فيه أحدٌ. وما فعله -عليه الصَّلاة والسَّلام- لم يفعله تشريعًا لأمَّته، فيكونُ ذلك مِن خصائصه -عليه الصَّلاة والسَّلام-.

والمتأمّلُ يرى أنَّه لا فرقَ بين الصَّحراء والبنيان، فالقبلةُ هي الكعبة، والكعبةُ بينكَ وبينها حجبٌ كثيرةٌ [8] .
 
[1]  وهي الرواية الثانية في المذهب، قال في "الإنصاف" 1/101: " جزم به في الوجيز، والمنتخب، وقدمه في الرعايتين، واختاره: أبو بكر عبد العزيز، والشيخ تقي الدين، وصاحب الهدي – يعني ابن القيم-، والفائق، وغيرهم".  ينظر: "الاختيارات" ص15، "زاد المعاد" 2/350
[2] ينظر: "المغني" 1/220
[3] قال في "الإنصاف" 1/100: " وهو المذهب، وعليه أكثر الأصحاب. قال الشيخ تقي الدين: هذا المنصور عند الأصحاب". وينظر: "المنتهى" 1/36، و"الإقناع" 1/26
[4]  وهي الرواية الثانية في المذهب، واختيار شيخ الإسلام وابن القيم. ينظر: "الإنصاف" 1/101، "الاختيارات" ص15، "زاد المعاد" 2/350
[5] ينظر: "الشرح الممتع" 1/125
[6]  أخرجه البخاري 148 3102 ومسلم 266 من حديث عبد الله بن عمر.
[7] أخرجه أحمد 14872، وأبو داوود 13، والترمذي 9، وابن ماجه 325، وابن خزيمة 58، وابن حبان 1420، والحاكم 552، وابن الجارود 31، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" 6597، والدارقطني 162، والبيهقي 440، والحازمي في "الاعتبار" ص37 من طرق، عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، عن جابر بن عبد الله، قال: نهى نبي الله .. فذكره.
قال الترمذي: "حديث حسن غريب" وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وابن السكن والبخاري فيما نقله عنه الترمذي" كما في "التلخيص" 1/306، رقم 128
وقال الدارقطني: " كلهم ثقات"
وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم" ووافقه الذهبي!
وليس كما قالا، فإن ابن إسحاق ليس من شرط مسلم.
وحسنه البزار كما في "التلخيص"، والنووي في "المجموع" 2/82، والحافظ في "تخريج أحاديث المختصر" 2/115، والألباني في "صحيح أبي داوود" 1/36، رقم 10
وأعلَّه ابن حزم في "المحلى" 1/192، وابن عبد البر في "التمهيد" 1/312 بأبان بن صالح! وتعقبهما الحافظ في "التلخيص" 1/306، رقم 128 فقال: " وضعفه ابن عبد البر بأبان بن صالح، ووهم في ذلك؛ فإنه ثقة باتفاق، وادعى ابن حزم أنه مجهول؛ فغلط"
[8] شرح "زاد المستقنع" درس رقم /5/