الرَّد على "الجفريّ" وبيانُ حكمِ دعاء غير الله والتَّوسّل بذواتِ الأشخاص وطلب المدد مِن الأموات
 
السؤال: فضيلة الشّيخ : انتشر هذه الأيام مقطعٌ مصوَّر وفيه المدعو "علي الجفريّ" مع مجموعة يطلبون المدد مِن "الحسين" ويقولون: "مدد يا حسين" يكررونها ..فاعترضَ معترضٌ على "الجفري" عبر حسابه في "تويتر" بأنّ هذا دعاءٌ لغير الله؛ فكيف يليق بك ... إلى آخره.
فأجاب بجوابٍ زعمَ فيه التَّفريق بين الحقيقة والمجاز في طلب المدد مِن غير الله، ولبَّس في الكلام، وزعم أنَّ هذا مِن التَّوسّل المشروع، واستدلَّ بحديث الضَّرير، وحديث آخر، واعتبر أنَّ هذه المسألة خلافيَّة، لا حرج على مَن أخذ برأي الجمهور، ولا على مَن أخذ بالرَّأي الثاني لابن تيمية ومدرسته :
  • فهل ما قاله صحيحٌ في التَّفريق بين الحقيقة والمجاز في طلب المدد مِن غير الله ؟
  • وهل الأحاديث التي استدلَّ بها صحيحةٌ ؟
  • وهل دعاء غير الله مِن التَّوسّل المشروع بغير الله ؟
  • وما حكم التَّوسّل بذوات الأشخاص كالنَّبي ﷺ ؟
  • وما حكم طلب المدد مِن الأموات ؟
  • وما نصيحتكم لِمَن يستمع لهذا المدعو "علي الجفري" ؟
أفتونا مأجورين .
 

الجواب: الحمدُ لله وحده، وصلّى الله وسلّم على مَن لا نبي بعده، أمّا بعد:
فإنّه لا يجوز -أولًا- تداول هذا المقطع؛ فإنَّ ذلك مِن نشر الباطل، ومَن ينشره فعليه نصيبٌ مِن إثم مَن يضلّ به، أو مثله،  وأمّا مضمون ما تضمَّنه هذا المقطع مِن طلب المدد مِن الحسين -رضي الله عنه-: فإنّه مِن الشّرك الصُّراح، فهو شرك في الرّبوبيَّة، وشرك في العبادة؛ فإنَّ المدد يُراد به: النَّصر، أو الشّفاء، أو الرّزق، أو غير ذلك مِن المطالب التي لا تُطلب بالدّعاء إلا مِن الله؛ إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ [العنكبوت:17]، وقال سبحانه: وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ [النحل:23] والميتُ لا يقدر على شيء مِن ذلك، وإن كان نبيًّا أو وليًّا.
وما ذُكر في المقطع عن "علي الجفريّ" مِن ذكر الحقيقة والمجاز في الدّعاء: جهلٌ أو تلبيسٌ لا يروّج إلا على الجهال؛ فإنّ الدّعاء وطلب المدد مِن الله أو مِن الميت، وليًّا كان أو نبيًّا، كلُّ ذلك دعاءٌ حقيقةً، لكنْ دعاءُ الله عبادةٌ وتوحيد، ودعاءُ الميت شركٌ وتنديد؛ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:62]
وكلُّ مَن يُدْعى مِن دون الله -مِن الملائكة، والأنبياء، والأولياء- لا يرضون بأن يُدعوا مِن دون الله، ويتبرَّؤون مِن عابديهم يوم القيامة، و"الجفريُّ" بما ذُكِرَ عنه مِن تسويغ دعاء غير الله، وطلب قضاء الحوائج مِن الميت: يكون إمام ضلالة، أي: يجبُ أن يُستتاب؛ فإن تاب وإلّا قتل؛ لأنّه مِن المفسدين في الأرض، فالدَّعوة إلى الشّرك أعظم الفساد في الأرض، قال تعالى: وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ أي بالشّرك والمعاصي بَعْدَ إِصْلاَحِهَا بالتَّوحيد وعبادته -تعالى- على أيدي رسله -صلوات الله وسلامه عليهم-، ولمَّا ذكر الله محاجة الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم- للنَّصارى ودعوتهم إلى التّوحيد في قوله: فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إلى قوله: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قال: فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ [آل عمران:60-63]
فالواجبُ على المسلم الحذر مِن الشّرك ودعاته، كهذا الصُّوفيّ الضَّال "الجفريّ"، وعدم الاغترار بشبهاتهم وتلبيساتهم، وعلى المسلم الذي منَّ الله عليه بمعرفة التَّوحيد الحذرُ مِن الشّرك وأسبابه، وعدم الاغترار بشبهات المشركين؛ كالاستدلال بحديث الأعمى؛ فإنّه على تقدير صحته لا حجَّة فيه على التَّوسّل بذات النَّبي -صلّى الله عليه وسلّم- فضلًا عن دعائه وطلبِ الحوائج منه بعد موته -صلّى الله عليه وسلّم-؛ فإنّ الأعمى طلبَ مِن النَّبي -صلّى الله عليه وسلّم- أن يدعو له بأن يردَّ الله عليه بصرَه، فدعا له -عليه الصّلاة والسّلام-، وأمره أن يتوسَّل به، أي بدعائه -صلّى الله عليه وسلّم-، هذا وجهه عند أهل العلم، وهو ظاهر مِن سياق القصة، فلا يَحتجّ بها على الشّرك أو التَّوسّل بذات النَّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- إلّا مبطلٌ ضالّ مُضلٌّ، نعوذُ بالله مِن الخذلان وطاعة الشَّيطان، وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمّد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدّين.
أملاه:
عبدالرَّحمن بن ناصر البرَّاك في 26 رجب 1436هـ